التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي الاحـد الـحادي عشر من زمن العنصرة – الأحد 5 آب 2012

التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي

الاحـد الـحادي عشر من زمن العنصرة – الأحد 5 آب 2012

 توبة زكّـــــــا العشّـــــــار لوقا 19: 1-10

في زمن العنصرة، الذي هو زمن الكنيسة، جسدِ المسيح الجديد، يظهر في انجيل هذا الأحد، دورُها في إجراء التغيير في الإنسان ومجرى التاريخ، بكلمة الإنجيل ونعمة أسرار الخلاص المتفجّرة من موت المسيح، فادي الإنسان ومخلّص العالم، ومن قيامته. ولنا نموذج لهذا التغيير في شخص زكّا العشّار

أولاً، شرح نصّ الانجيل

من انجيل القديس لوقا 19: 1-10

ثُمَّ دَخَلَ أَرِيْحا وَبَدأَ يَجْتَازُها، وإِذَا رَجُلٌ ٱسْمُهُ زَكَّا، كانَ رَئِيسًا لِلْعَشَّارِينَ وَغَنِيًّا. وكَانَ يَسْعَى لِيَرَى مَنْ هُوَ يَسُوع، فَلَمْ يَقْدِرْ بِسَبَبِ الجَمْعِ لأَنَّهُ كانَ قَصِيرَ القَامَة. فَتَقَدَّمَ مُسْرِعًا وَتَسَلَّقَ جُمَّيْزَةً لِكَي يَرَاه، لأَنَّ يَسُوعَ كانَ مُزْمِعًا أَنْ يَمُرَّ بِهَا. وَلَمَّا وَصَلَ يَسُوعُ إِلَى المَكَان، رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَيْهِ وقَالَ لَهُ: “يَا زَكَّا، أَسْرِعْ وٱنْزِلْ، فَعَلَيَّ أَنْ أُقِيمَ اليَومَ في بَيْتِكَ”. فَأَسْرَعَ وَنَزَلَ وٱسْتَقْبَلَهُ في بَيْتِهِ مَسْرُورًا. وَرَأَى الجَمِيعُ ذلِكَ فَأَخَذُوا يَتَذَمَّرُونَ قَائِلين: “دَخَلَ لِيَبِيتَ عِنْدَ رَجُلٍ خَاطِئ”. أَمَّا زَكَّا فَوَقَفَ وَقَالَ لِلرَّبّ: “يَا رَبّ، هَا أَنَا أُعْطِي نِصْفَ مقْتَنَياتِي لِلْفُقَرَاء، وَإنْ كُنْتُ قَدْ ظَلَمْتُ أَحَدًا بِشَيء، فَإِنِّي أَرُدُّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَضْعَاف”. فقَالَ لَهُ يَسُوع: “أَليَومَ صَارَ الخَلاصُ لِهذَا البَيْت، لأَنَّ هذَا الرَّجُلَ هُوَ أَيْضًا ٱبْنٌ لإِبْرَاهِيم. فإِنَّ ٱبْنَ الإِنْسَانِ جَاءَ لِيَبْحَثَ عَنِ الضَّائِعِ وَيُخَلِّصَهُ.”

قال المسيح، على لسان يوحنا الرسول في رؤياه: “ها أنا آت لأصنع كلّ شيءٍ جديدًا… فإنّي الألف والياء، البداية والنهاية (رؤيا21 :5 -6). هذا التغيير الى جديدٍ تحقّقَ في شخص زكّا العشّار، كما يروي إنجيل اليوم، أسوةً بكثيرين أمثاله.

لقد صار الإله إنسانًا، لكي يُعيدَ للإنسان صورةَ الله وقد خلقه على مثاله(تك26:1) بنفسه الخالدة، عقلًا تنيره الحقيقةُ المطلقة وتشركه بأنوار الحكمة الإلهية، وإرادةً تُقدِّسها النعمةُ الإلهية لتلتزم الخير والجمال، وتتجنّب الشرّ والقباحة، وقلبًا تملأُه المحبةُ بحلول الروح القدس، فيعيش في محبّة الله والإنسان، ويمقت الحقد والأنانية والبغضاء. وصار الإله انسانًا، لكي يُعيد للخلق جمالَه الأول، فالله خلقه في الأساس جميلًا جداً(تك1: 31)، فإذا به يعكس جودته وحكمته ومحبته، وسلَّمه للإنسان الاول، ولكلّ إنسان، ليحرسه ويستثمره ويعتني به(تك2: 15)، فيكمِّل عمل الخالق. وصار الإله إنسانًا، إبنًا في عائلة بشرية تقدَّست به، لكي يُعيد للزواج والعائلة قدسيتهما، وقد أوجدهما الله ليعكسا صورته، كجماعة حبٍ وحياة(تك1:27-28)

لكنَّ الإنسان الأول، وكلَّ إنسان، شوَّه بخطيئته كلّ شيء. شوَّه بهاء صورة الله فيه، كما يرمز إليه كتاب التكوين، إذ وجد نفسه عرياناً، فخجل، وهرب من وجه الله(تك3: 7-8). ألعري يعني خسارة جمالِ صورة الله في الإنسان؛ الخجل يعني تأنيب الضمير له؛ والهرب يعني الخروج من الشركة مع الله والإمعان في ارتكاب الخطيئة وصنع الشر.

وشوَّه الإنسان بخطيئته جمال الخلق، فأصبحت الأرض “ملعونة”، من بعد أن كانت مقدّسة وجميلة جدًا، “وأنبتت شوكًا وحسكًا”(تك3: 17-18)

وشوَّه العائلة كجماعة حبٍّ وحياة، فكان الإتّهام بين الزوجين بشخص آدم وحواء، وتعطيل العلاقة الودّية بينهما(تك3: 12 و 16 و 17)، من بعد أن هتف الرجل: “هذه عظم من عظامي، ولحم من لحمي”(تك2: 23). وكانت أوّل جريمة قتل في العائلة: “قايين يقتل أخاه هابيل حسداً(تك1:4-13)

المسيح، فادي الإنسان ومخلص العالم، جاء “ليصنع كلّ شيء جديدًا”. لقد صنع الإنسان جديدًا أولًا في شخصه، إذ أصبح الإله إنسانًا، ليعلِّم الانسان كيف يكون انسانًا. فأحبّ بقلب إنسان حتّى النهاية مائتاً فدىً عنه على الصليب(يو13: 1؛ وفل2: 8)، وفكّر كما يفكّر الإنسان ولم يقل سوى الحقيقة بلسان إنسان، وصنع الخير وتجنّب الشرّ بإرادة إنسان، وبارك وأعطى بيد إنسان، وبعين إنسان وأُذن إنسان رأى وسمع شقاء البشر، فحنّنن وساعد وشفى(الكنيسة في عالم اليوم 2: 22)

توبة زكّا العشار والتغيير الجذري في مجرى حياته بنتيجة لقائه الوجداني بيسوع، صنعاه جديدًا. إستحقّ زكّا هذا التغيير بتصرّفه المخلص تجاه يسوع وتوقه الكبير ولو ليراه مارًّا: فتسلّق جميزة كطفل لهذه الغاية، علمًا أنّه “رئيسٌ للعشارين وغني”. فقرأ يسوع الحبّ والصّفاء وروح الطفولة في قلبه، لذا ناداه باسمه ودعاه لينزل، وخصّه بزيارة الى بيته. ما أجمل كل هذا! يسوع يعرف كلّ واحدٍ باسمه، وبما يختلج في قلبه وعقله من مشاعر وأفكار! وهذا أساس رجائنا بالمسيح الذي لا يخيب

دخل يسوع بيت زكا، لأنه كان يبغي أن يدخل الى عمق قلبه وعقله وارادته. وهذا ما حصل. فما إن التقى زكا بيسوع، لقاءً شخصيًا وجدانيًا، حتى انكشفت له شوائب وسلبيات حياته الماضية. ذلك أن المسيح نور يكشف ظلمات الحياة، يهدي الى الطريق القويم. أدرك زكا أنه خاطىء حقًا: تجاه الفقراء الذين حبس عنهم يد المساعدة وتجاه المواطنين الذين ظلمهم بمبلغ العشر الذي كان يطالبهم به. فأعلن توبته ملتزماً التعويض والتفكير عن خطاياه. وقال ليسوع: “يا رب، ها أنا أعطي نصف أموالي للفقراء، وإن كنت قد ظلمتُ أحدًا بشيء، فإني أردّ له أربعة أضعاف.”

بهذا التغيير الجذري لدى زكّا العشار، بلغ يسوع الى هدفه، فقال: “أليوم دخل الخلاص هذا البيت… فإنَّ ابن الانسان جاء ليبحث عن الضال ويخلّصه”(لو19: 9-10)

كان زكّا معروفاً بأنه خاطئ لسببيَن: إختلاس المال غير الشرعي في جباية العشر، وجمع العشر للدولة الرومانية الوثنية المحتلّة لأرض يهوه. ولذلك تذمّر الجميع عندما دخل يسوع بيت هذا الخاطئ. منطق البشر تجنّب الخطأة ومعاداتهم، أما منطق الله فمقاربتهم من أجل ارتدادهم وتغيير مجرى حياتهم. هذه هي رسالة الكنيسة: شركة ومحبة. رسالة مدّ الجسور مع الجميع لا لأي غاية سوى لإحلال الخير والعدالة والمحبة والسلام. الكنيسة لا تُقفِل الباب بوجه أحد، لا تعادي أحداً، بل تسعى دائماً إلى ما هو حق وعدل وخير. وعندما تحاور من هو مُصنَّف العدوّ، فهذا لا يعني أنها تُجاريه في عدائه، بل تسعى معه إلى ما هو خير للجميع وإلى التفاهم من أجل الوصول إلى الحقيقة التي تُحرر وتجمع

*     *     *

ثانياً، جميعة سينودس الاساقفة العادية الثالثة عشرة: الأنجلة الجديدة من أجل نقل الايمان المسيحي

بعد وثيقة “الخطوط العريضة” التي توسّعت بموضوع هذه الجمعية: “الانجلة الجديدة من أجل نقل الإيمان المسيحي”، ووضعت سلسلة من الأسئلة بعد كل فصل من فصولها الثلاثة، من أجل الحصول على الأجوبة الاستشارية من الكنائس الشرقية ودوائر الكوريا الرومانية والمجالس الأسقفية في العالم ومن الأرساليات والرهبانيات وسائر المؤسسات، وضعت أمانة السر العامّة لسينودوس الأساقفة الوثيقة الثانية المعروفة “بأداة العمل”. وفيها أربعة فصول بالإضافة الى مقدمة طويلة وخاتمة

الفصل الاول: يسوع المسيح: إنجيل الله الحيّ. يتناول غاية إعلان الإنجيل او الأنجلة وهي اختبار الإيمان المسيحي كلقاء مع يسوع المسيح، الذي يغيّرنا في الداخل، ويجمعنا، ويُدخِلنا إلى حياة جديدة بفعل الروح القدس. هذه الحياة الجديدة تظهر في اختبارنا العيش معًا متّحدين في الكنيسة

الفصل الثاني: زمن الانجلة الجديدة. يتناول التمييز الواضح للتحولات التي تلامس طريقة عيشنا للإيمان، وتؤثِّر في جماعاتنا المسيحية. كما أنه يُحلّل الأسباب التي من أجلها ينتشر مفهوم الأنجلة الجديدة، والطرق المتنوِّعة التي تعتمدها الكنائس للقيام بها.

الفصل الثالث: نقل الإيمان. يقدّم تحليلاً للأماكن الاساسية، والادوات والأشخاص والأفعال التي يتمّ من خلالها نقل الإيمان المسيحي وهي: الليتورجيّا، والتعليم المسيحي وأعمال المحبّة. وينبغي أن يكونَ الإيمان معلَنًا ومُحتفلًا به، ومُعاشًا، ومُعبّرًا عنه بالصلاة.

الفصل الرابع: إعادة إحياء العمل الراعوي. يعرض قطاعات العمل الراعوي ولا سيما تلك المخصَّصة لإعلان الإنجيل ولنقل الإيمان، من أجل أنجلة جديدة، وعيشٍ مُتجدّد للإيمان المسيحي

سنعرض تباعاً مضمون هذه الفصول، لكي يتمكّن الجميع من المشاركة الروحية والحياتية في تحضير جمعية السينودس التي ستُعقد في روما برئاسة قداسة البابا بندكتوس السادس عشر، من 7 إلى 28 تشرين الاول 2012

*     *     *

صلاة

ايها الرب يسوع، لقد أتيتَ إلى العالم لخلاص كل إنسان، وتتحيّن الفرص لكي تلتقي كلَّ واحد من اجل تغيير مجرى حياته إلى الأفضل لكي يخلص. إنَّ لقاءك بزكّا العشّار نموذج لنا جميعاً. أعطنا أن نتوق إلى رؤيتك مثله، وأن ننسى ذواتنا، ونخرج منها لكي نلتقيك بإخلاص، فتنادينا باسمنا، وتدخل عمق نفوسنا، لتفعل فيها ما فعلت في بيت زكّا. نوِّرنا بشخصك وكلامك وتعليم الكنيسة لكي نعرف أخطاءنا، وهبنا نعمة الشجاعة لاتخاذ قرار التوبة والتغيير، كما فعل زكّا. وعندما نشعر بغفرانك من خلال خدمة سرّ التوبة على يد كهنتك، نستطيع أن نرفع نشيد المجد والشكر لك وللآب الذي ارسلك ولروحك الحيّ القدّوس، الآن وإلى الأبد، آمين.

شاهد أيضاً

رسالة قداسة البابا  فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي السّابع والخمسين للسّلام الأوّل من كانون الثّاني/يناير 2024 الذّكاء الاصطناعيّ والسّلام …

الإرشاد الرّسوليّ  C’EST LA CONFIANCE الثّقة فقط

للحبر الأعظم البابا فرنسيسالثّقة بحبّ الله الرّحيم في مناسبة الذّكرى المائة والخمسين لولادة القدّيسة تريزا …