كلمة سيادة المطران بولس روحانا في قداس التولية

كلمة المطران بولس روحانا

في قدّاس التولية، كاتدرائيّة مار جرجس صربا،

الأحد 29 تمّوز 2012

 صاحب السيادة المطران يوسف بشاره، ممثّل صاحب الغبطة البطريرك مار بشاره بطرس الراعي الكليّ الطوبى،

صاحب السيادة المطران غي-بولس نجيم السامي الاحترام،

قدس الآباء العامين والأمّهات العامات الجزيل احترامهم،

دولة الرئيس العماد ميشال عون المحترم،

أصحاب المعالي والسعادة والمقامات البلديّة والاختياريّة،

Mgr. Philippe BORDEYNE, Recteur de l’Institut Catholique de Paris

حضرة الكهنة والشمامسة الأحبّاء،

حضرة الراهبات الفاضلات،

أيّها الإخوة والأخوات بالمسيح،

أيّها الأصدقاء،

 أسقفيّة المطران نجيم: بركة ومسؤوليّة

1- بعد ثلاثيّة صلاة في رعايا وأديار نيابة صربا البطريركيّة، استعداداً لقداس التولية، ها إني أَمثُلُ اليوم أمامكم في حضرة الله، وبفيض نعمته، وباختيار مجمع الأساقفة، لاتسلّم مهمّة “التعليم والتقديس والتّدبير” في نيابة صربا، خلفاً لصاحب السيادة المطران غي-بولس نجيم السامي الإحترام؛ أطالَ اللهُ عمرَه وأمدَّه بالصّحة والعافية لمتابعة خدمة الإنجيل في سبيل الإنسان، بعد أن خَدَمَ رعيّةَ صربا كاهناً لسنين عديدة، ونيابةَ صربا أُسقُفاً مدّة اثنين وعشرين عاماً، من 1990 الى هذا اليوم. وهو سيبقى معنا في هذه النيابة مرشداً وعضداً، وإن اختارَ مؤسّسة “رسالةِ سلام” الإنسانيّة في بكفيا مقراً لسكناه، ونحن نحرَصُ على أن نوفّر له مساحاتٍ من الراحة والهدوء، هو بحاجة اليها بعد سنين طويلة من العمل الدؤوب والمضني في حقل الربّ. أودّ أن أؤكّد له اليوم على أن رسالته الكهنوتيّة والأسقفيّة هي بركةٌ لنا ومسؤوليّةٌ مُلقاةٌ على عاتقنا. هي بركة! لانّنا ننعمُ بالخير الرّوحي الكبير الذي زرعهُ أبونا غي / المطران نجيم في قلوب الكثيرين من خلال حضوره الإنجيلي، صلاةً وفكراً ومثالاً وخدمةً لا سيّما للفقراء والضعفاء والمجروحين في كرامتهم، ساعياً بكلّ ما أوتي من إيمان وإمكانات، وبالتعاون مع أناس كثيرين من أهلِ الخير، أن يُعيدَ إليهم بعضاً من كرامة سُلِبَت أو انتُهِكَت. وهي مسؤوليّة! لانّه يترتّب علينا المحافظةُ على هذا الإرث الإنجيلي، بدونه تفقدُ كلّ جماعة مسيحيّة ماويّتَها ومصداقيّتَها الرسوليّة ، والعملُ على تفعيله بتجرّد وقناعة وسخاء في ضوء الحاجات الراعوية المستجدّة، وما أكثَرَها. وليكن شعارنا في الخدمة ما قاله السيّد المسيح على ما جاءَ في انجيل لوقا: “إنّنا عبيدٌ لا نفع منّا (بطّالون)، فقد فعلنا ما كان يجب علينا أن نفعل” (لوقا 17/10).

 الأسقفيّة وخدمة الكنيسة الشركة

2- ما عساي أقول في هذه المناسبة الكنسيّة المميّزة سوى بعض كلمات الشّكر واقتسام بعض التطلّعات الراعويّة للمرحلة المقبلة!

دعوني أتوجّه أولاً بخالص الشكر الى مجلس الأساقفة الموارنة، وعلى رأسهم صاحبُ الغبطة مار بشارة بطرس الراعي الكلي الطوبى، مطرانُ الأبرشيّة البطريركيّة التي تنتمي اليها نيابتُنا في صربا، ومعها نياباتُ جونية والجبّة واهدن – زغرتا، وهو حاضر معنا بشخص صاحب السيادة، المطران يوسف بشاره، رئيس أساقفة انطلياس سابقاً.

3- أشكرُهم على الثّقة الكبيرة التي أَولوني إيّاها باختيارهم لي في حزيران الفائت مطراناً على كرسي أَنَترادوس شرفاً (أي طرطوس على الساحل السوري)، ونائباً بطريركياً عاماً على نيابة صربا. وقد أُعطيَ لي أن أزورَهم في مراكز خدمَتهم، برفقة صاحب السيادة المطران نجيم، وبمبادرةٍ منه إحياءً لتقليد ماروني قديم. ويكشف هذا التقليد، على بساطته وعفويّته، مفهوماً كنسيّاً عميقاً للكنيسة- الشركة. فالأسقف، بفعل انتخابه مدبّراً لابرشيّة خاصة، يغدو بذات الفعل عضواً في الجسم الأسقفي وحلقةَ الإتصال بين الأبرشيّة الموكولة الى عنايته والأبرشيّات الأخرى المنتشرة في النطاق الإنطاكي وفي دنيا الإنتشار.

4- وهذا الأمر يدعو كلَّ كنيسةٍ محليّة ان تحمل همّ الكلّ لأن المسيح حاضرٌ في الكلّ وبالتالي فإن كنيستَه لا يُمكنها أن تعرفَ حدوداً سوى الإنسان، أيّ إنسان، لأن صورةَ الله مطبوعةٌ فيه. في هذا السياق يُمكن لنيابة صربا المارونيّة أن تفتخر بالرب لأنها استطاعت برعاية سيادة المطران نجيم، أن تشهدَ للرابط العضوي بين البُعدين المحلّي والجامع  للكنيسة. فأرسَلَت وما زالت تُرسل، على الرغم من إمكاناتها المحدودة، الكهنةَ والشمامسةَ والراهبات والعلمانيين الى دول افريقية مثل غانا والتوغو وبوركينا فاسو والنيجر ومالي ليكونوا لا في خدمة الجالية المارونية هناك وحسب بل في خدمة الكنيسة المحليّة الأفريقية.

 صليبُ الشراكة لتحقيق الكنيسة – الشركة

5- قدّرنا الله ان نواصل الشهادة للكنيسة – الشركة، لا في نطاق كنيستنا المارونيّة وحسب بل ضمن الكنيسة الكاثوليكية المنتشرة في الشرق الأوسط، ومع الكنائس الارثوذكسيّة  والإنجيليّة على تعدّد تسمياتها، والتي نعمل وإياها في إطار مجلس كنائس الشرق الأوسط. ولا نقوى على الشهادة معاً للكنيسة – الشركة ما لم نُدرك أن الشركة التي نصبو اليها ليست من صنع البشر، فالله الآب والإبن والروح القدس كما تكشفه لنا الكتب المقدّسة، هو مصدرُها وأساسُها وغايتها. وتتحقّقُ الكنيسة – الشركة عندما نثبُتُ في المسيح كالأغصان في الكرمة الحقيقيّة، لأنّنا بدونه لا نقدرُ أن نفعلَ شيئاً، كما جاء في إنجيل يوحنا الذي تُلِيَ على مسامِعنا.

6- أمّا الشهادة اليوميّة للكنيسة – الشركة فإنها ليست بالأمر السهل. فهي تقوم قبل كلّ شيء على الجهاد الروحي المتواصل ضد روح الأنانيّة والفئوية والكراهية والتسلّط ورفض الآخر، الى ما هنالك من قوى الشرّ الكامنة فينا وحولنا، وهي تبلبلُ العلاقات بين الناس فتعيقُ قيام ملكوت الله على الأرض، الذي هو برٌّ وصلاحٌ وعدلٌ ومحبّةٌ وسلام. ولـمّا كانت الشركة هي ثمرة الجهاد الرّوحي، فمن الطبيعي أن يحمل المسيحي “صليب الشراكة” على هدي انجيل السلام والمصالحة مع الله والإنسان. نحمل هذا الصليب في قطاعات الحياة المتنوعة : في العائلة أي الكنيسة البيتيّة، في الدير وفي الرهبانيّة، في الرعيّة ومجالسها ولجانها، في المنظّمات الرسوليّة، وفي لجان الأوقاف إلخ. ولا يرتضي بحمل هذا الصليب سوى المؤمنين التائبين، وقلوبُهم مُفعمةٌ “بالرجاء الذي لا يُخيّب” (روما 5/5) لانّ عيونَـهم مُسمّرةٌ على المصلوب وهو متّشح بالشارة البيضاء، كما نرى ذلك في زمن القيامة، علامةَ النّصر على الشرّ والموت بالمسيح الذي غَلَبَ الموتَ بالموت، وهو حاضر في كنيسته كلّ الأيام إلى نهاية العالم (متى 28/20).

 الكنيسة – الشركة والشهادة المسيحيّة في المجتمع

7- وبقدر ما نحمل “صليب الشراكة”، ترتسِمُ أمامنا آفاقٌ جديدة للشهادة للقيم الإنسانيّة والإنجيليّة في لبنان والشّرق الأوسط، بالتّعاون مع الناس أجمعين لا سيّما مع المسلمين شركائنا في المواطنة.

وتتجلّى هذه الشهادة في العمل معاً على بنيان مجتمعات تعدديّة قائمة على مبدأ الكرامة الإنسانيّة التي تستمدّ قوّتها وديمومتها من إيماننا المشترك بالاله الواحد، خالق الجميع. والكرامة الإنسانية غيرُ المجتزأة هي المصدر الأساس الذي تتحدّر منه الحقوق والواجبات التي ينادي بها المؤمنون جميعاً وأصحابُ الإرادة الصالحة ويجهدون في تحقيقها وكلّهم رجاء بأن “الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالترنيم” (مزمور 126/5). ولنا في أعمال سينودس الأساقفة الخاص بالكنيسة في الشرّق الأوسط: شركة وشهادة، الذي انعقد في تشرين الأول 2010، خارطةُ طريق بها نهتدي للشهادة للكنيسة – الشركة في هذه الأزمنة العصيبة من تاريخ وطننا ومنطقتنا. وبهذا الرجاء ننتظر زيارة قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر الى لبنان في أيلول المقبل، حاملاً إلينا نص الإرشاد الرسولي ما بعد سينودس الأساقفة المذكور الذي يكرّس خارطة الطريق هذه تعميقاً للشركة وإحياءً للشهادة.

 التكرّس الرهبانيّ وبنيان الكنيسة

8- بعاطفة بنويّة أتوجّه الى أمّي الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة، المتمثّلة بيننا بشخص قدس الأب العامّ الأباتي طنّوس نعمة السامي الإحترام. احتضنتني بين ابنائِها منذ شهر ايلول 1966 حين تركتُ البيت َالوالدي الهانئ في عمشيت، وأنا بعد في الثانية عشرة من عمري، لأدخل الطالبيّة في دير الروح القدس، الكسليك. فَنَمت بيني وبين صربا وأهلها ومنطقة كسروان عموماً، على مدى سنين طويلة، صداقةُ الجوار وعَلاقاتُ المودّة. أما اليوم وقد أصبحتُ أسقفاً على نيابة صربا، فإني لواثق بأنّ تلك العَلاقات سوف تترسّخ يوماً بعد يوم تحت نظر الرب، خدمة للجميع انطلاقاً من صربا الحبيبة.

9- وتعلَّمتُ في الرهبانيّة على يد رهبانٍ أفاضل أنّ التكرّس الرهباني هو نهجٌ انجيلي مُتطلّب قوامُه اتّباع المسيح في العيشة الديرية المشتركة في سبيل خدمة الكنيسة – الشركة وبنيانها، انطلاقاً من أديار الرهبانيّة ومراكزها في لبنان والخارج، وبروح الشركة مع السلطة الكنسيّة المحليّة. وتلمّستُ هذا الرباط الوثيق بين التكرّس الرهباني وبنيان الكنيسة – الشركة، وأنا بعدُ أخٌ دارس في السبعينات من القرن المنصرم،  أراقب باهتمام المحاولات الأولى للإصلاح الليتورجي المعاصر في كنيستنا المارونيّة، والليتورجيا هي صلاة الكنيسة بامتياز، على يد فريق متخصّص من الرهبان في معهدي الليتورجيا والموسيقى في جامعة الروح القدس الكسليك. ولم يَغب عن بالي يوماً هذا الرباط الذي طَبَعَ عملي اللاهوتي، بحثاً وتدريساً وادارةً في كليّة اللاهوت الحبريّة في الجامعة المذكورة، على مدى ثلاثينَ سنة من خدمتي الكهنوتية (1982-2012). في ضوء هذا الرباط تندرجُ مشاركتي في أعمال المجمع البطريركي الماروني منذ العام 1998 من خلال عملي ضمن الأمانة العامة والمساهمة في إعداد النصوص المجمعيّة تحت إشراف صاحب السيادة المطران يوسف بشاره، أمين عام المجمع المذكور. وفي الإطار عينه، أُعطيَ لي أن أُشارك في العمل المسكوني، شهادة للكنيسة – الشركة وللكنيسة الآتية، من خلال الحوار اللاهوتي، وأخيراً في مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي أولاني في شهر تشرين الثاني 2011 شرفَ الخدمة فيه كأمين عام، وهو متمثّل اليوم بيننا بشخص القس الدكتور حبيب بدر المحترم، راعي الكنيسة الإنجيلية في بيروت، وحضرة الدكتور الياس الحلبي المحترم، الأمين العام المشارك عن العائلة الأرثوذكسيّة والمحامي الصديق ابراهيم طرابلسي.

 10- في هذه الروحيّة اتطلّع بارتياح الى الحضور الرهباني المهمّ في نيابة صربا وبخاصة الى الرهبان الكهنة الذين يؤمّنونَ الخدمةَ الراعويّة فيها. وإني لواثق بأن الرهبان والراهبات يضعون تكرّسهم الرهباني بسخاءٍ في خدمة الكنيسة المحليّة من خلال أديارهم ومدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم، وهم يحرصون على أن تكونَ واحاتِ شهادة انجيلية في الكنيسة والمجتمع. وفي المناسبة أدعو كلّ العاملين في الحقل الراعوي في نيابة صربا البطريركيّة، كهنةً ورهباناً وراهباتٍ وعلمانيّين وعلمانيّات، أن يضعوا نُصبَ أعينهم الكنيسة – الشركة التي تحتضن الجميع، فيعملوا معاً على بنيانها وصيانتها “كحدقة العين” (تثنية الاشتراع 32/10). ويكون ذلك باشراف الأسقف وبالتعاون معه وفق خطّة عمل رسوليّة شاملة، سوف نعمل على بلورتها والعمل بها، ببركات وصلوات والدة الإله، سيّدة لبنان، والقدّيسين شربل ورفقا ونعمة الله، والطوباوييّن اسطفان وبونا يعقوب، والإخوة الشهداء المسابكيّين في دمشق، شفعاء نيابة صربا البطريركيّة.

 إلى إخوتي الكهنة والشمامسة

          11- إنّي أتطلّع بنظرة القلب الى أخوتي الكهنة، معاونيّ المباشرين في الخدمة الأسقفيّة، دون أن أنسى الشمامسة الدائمين الذين يعملون تحت إشرافهم، بعد أن سعى سيادةُ المطران نجيم جاهداً منذ سنوات لإحياءِ تقليد الشماسيّة الدائمة في حياة الكنيسة المحليّة. صحيحٌ أنّه لم يُعطَ لي أن أخدُمَ مثلكم، أيّها الإخوة الكهنة الأحبّاء، في رعيّة خاصة، بحكم عملي التعليمي والإداري الطويل في كليّة اللاهوت في الكسليك. إلاّ أنَّه لمن دواعي سروري وافتخاري أنّي رافقتُ خلال هذه الفترة الطويلة كثيرين من الكهنة الذين يخدمون اليوم، لا في رعايا نيابة صربا وحسب، بل في سواها من النيابات والأبرشيّات. رافقتهُم وهم بعدُ إكليريكيّون على مقاعد التنشئة اللاهوتيّة في الكسليك.

        12- بالإضافة الى عُرى الصداقة والاخوّة الكهنوتيّة التي توطّدت بيننا منذ ذلك الحين، تعرّفتُ من خلال الطلاب الإكليريكيّين ومن المسؤولين عنهم، على ملامحَ كثيرة من واقعنا الكنسيّ في لبنان وبعض بلدان الشرق الأوسط، في إيجابيّاته وسلبيّاته، مع ما يحمل من انتظارات الناس للكنيسة الآتية. فكنتُ اذكّرُهُم باستمرار بأهميّة التنشئة اللاهوتيّة الجامعيّة، حبّاً بالكنيسة وتعزيزاً لرسالتها في عالم اليوم. وتتضمّن هذه التنشئة تمرّساً صعباً على روح التحليل والنقد من جهة، وانفتاحاً على مصادر المعرفة المتنوّعة التي تحتضنها الجامعة من جهة ثانية، وهي تُعنى كُلُّها في نهاية المطاف بالإنسان، وقد وُجدت من أجل الإنسان، كلّ الإنسان.

        13- ها إني اليوم أدعوهم من جديد، كما في الامس القريب أو البعيد، ان يوازنوا في خدمتهم الراعوية، على الرغم من انشغالاتهم الكثيرة، بين حبّهم للكتاب والمعرفة وحبّهم للإنسان. وسوف أسعى مع المجلس الكهنوتي ولجنة شؤون الكاهن والشماس الدائم وأهل الإختصاص الى إيلاء مسألة التنشئة اللاهوتيّة والراعويّة المستمرّة للكهنة والشمامسة، الإهتمامَ الذي تستحقّ. أقول هذا لأنكم تعملون أيّها الكهنة والشمامسة الأحبّاء في الصفوف الأماميّة وعلى كلّ الجبهات. ويُطلبُ منكم الكثيرُ الكثير، وعلى كلّ المستويات، فيما حجمُ الرعايا التي تخدمون في ساحل ووسط كسروان والمتن يشهدُ يوماً بعد يوم، ومنذ عقود، تضخّماً بشريّاً غيرَ مسبوق، بسبب حركة النزوح من الأطراف والمناطق الجبليّة لأسباب معيشيّة أو أمنيّة معروفة. وقد أَصبحَتْ نيابتا جونية وصربا والأبرشيّاتُ الساحليّة القريبةُ منها صورةً مصغّرة عن لبنان في تنوّعه البشري والمناطقي. في ظلّ هذا الواقع، يبدو من الصعب جداً أن يُطلب من الكاهن خدمة رعيّته على مثال “خوري الضيعة” الذي يعرف الكلّ والكلُّ يعرفُه. من هنا لا بدّ من أن نُطلِقَ ورشة عمل مشتركة بين النيابات والأبرشيّات التي تعاني من الأوضاع نفسها لاستنباط خطة راعوية جديدة للأزمنة الجديدة. ولنا في سينودس الأساقفة الـمُزمَع عقدُهُ في تشرين الأوّل المقبل في روما، حولَ “الكرازة الجديدة لنقل الإيمان المسيحي” في عالم اليوم، خيرُ حافزٍ لنبحثَ سويّةً، في ضوء خبرة الكنيسة الجامعة، عن السبل الآيلة لتعزيز البشارة والشهادة المسيحيّة ضمن نطاق مسؤوليّاتنا الراعويّة.

 العلمانيّون والعلمانيّات المؤمنون بالمسيح

14- قبل أن أُنهي كلمتي، لا يَسَعُني إلاّ أن أنوّهَ بالدور المحوري الذي يعود الى العلمانيّين والعلمانيّات المؤمنين بالمسيح في بنيان الكنيسة، واحَةَ شركةٍ وشهادة. فالكنيسة هي في منظار الكتاب المقدّس “شعبُ الله”، وكلّنا أعضاءٌ فيه، متساوون بالكرامة والدّعوة التي ننالُـها بالعماد، على تنوّع الخِدَم والمواهب. ومن مهمّات الأسقف الأساسيّة السهر على شركة تلك الخدم والمواهب لبناء الكنيسة. ويُمكن الإشارةُ هنا الى أن الكلمة اليونانيّة (Laikos) وهي مشتقّة من كلمة “لاوس” (Laos) أي الشعب، والتي أعطت بالفرنسيّة كلمة « Laїc »، تعني أساساً “عضوٌ في شعب”. في هذا السياق، كلّنا في الكنيسة “علمانيّون”، أي أعضاءٌ في شعب ينتمي الى الله الآب بيسوع المسيح وبفعل الروح القدس، وإن دلّت هذه التسمية اليوم أي “العلمانيّون” في الكنيسة الى كلّ المعمّدين دون الإكليروس.

15- أقول ذلك وتحضرُني أسهاماتُ العلمانيّين السخيّة في قيام الكنائس والأوقاف وإدارتها تحت اشراف السلطة الكنسيّة، ومشاركتُهم الفعّالة في الأخويّات والجوقات الكنسيّة والمنظّمات الرسوليّة، وعملُهم في مؤسّسات المجتمع المدني، نصرةً لقضايا انسانيّة وثقافيّة وبيئيّة محقّة. كيف يكون ذلك لولا لم يعتبروا الكنيسة بيتَهم الكبير وعائلتَهم الواسعة ومرجعيّتَهم الروحيّة، منها يُطلّون الى العالم الأرحب وفي ضوئها يرسمون حضورهم في محيطهم!

16- أقول ذلك وتحضُرني أيضاً كلُّ العائلات، الأباءُ والأمّهات، وما يبذلون من تضحيات جِسام لتأمين المستوى اللائق لأولادهم، حكمةً وعلماً وإيماناً، في ظروفٍ اقتصاديّة صعبة، وفي غياب ثقافةٍ تعاضديّةٍ على الصعيدين الرسمي والخاص. أقول ذلك ويحضُرني أيضاً التزامُ العلمانيّين بالشأن العام عبر الممارسة السياسيّة والعملُ في مؤسّسات الدولة، خدمةً للجميع، بالكفاءة والنزاهة والإخلاص. أقول ذلك وأنا أحثُّهم اليوم على الإستمرار في الشهادة لقيمهم الإنسانيّة والمسيحيّة، في القطاعات المتعدّدة التي فيها يعملون.إنّهم بذلك يُسهمون بدمغِ الثقافة والحياة العامّة بطابع الإنجيل، أمانةً لمعلّمهم وصوناً لكرامة الإنسان، أيّ إنسان، وحقوقه الإساسيّة.

شـكـــر

17- وفي الختام أجدّد شكري العميق لكلّ من ذكرت في كلمتي هذه، ولكلّ من ارتضى أن يشاركني ويشارك نيابة صربا البطريركيّة، بالمحبّة والصلاة، في بداية خدمتي الأسقفيّة.

أودّ أن أشكرَ بنوع خاص أفراد اللجنة التنظيميّة لهذا الإحتفال وهي برئاسة الخوري العزيز إيلي ضوّ، كاهن هذه الكاتدرائيّة التي تحتضنُنا اليوم. أشكُرهم ومعهم وقف رعيّة مار جرجس صربا، على محبّتهم وكرمهم ودقّة عملهم، وأقدّمُ باسمهم الإعتذار عن أي هفوة صدَرَت أو تقصير حصل.

وبالمناسبة أشكر القوى الأمنيّة في بلديّة جونية والكشاف الماروني لسهرهم على تأمين سلامة المشاركين في هذا الإحتفال. كما إني أتوجّه بعاطفة التقدير والإمتنان الى جوقة جامعة الروح القدس، الكسليك، بقيادة مديرها حضرة الأب العزيز يوسف طنوس المحترم، عميد كليّة الموسيقى في جامعة الروح القدس، لخدمتها الخاشعة لقدّاس التولية.

أوجّه أيضًا شكراً خاصاً لمحطّة تيلي لوميار-نورسات التي صوّرت هذا الاحتفال وهي متمثّلة بيننا بشخص الآنسة ماري-تيريز كريدي، مديرة البرامج، وسوف يُنقَل هذا الاحتفال غداً الاثنين عند السابعة صباحاً وعند الواحدة بعد نصف ليل الاثنين-الثلاثاء 30-31 تموز.

 “نعمتُكَ تكفيني” (2 كور 12/9)

18- قبلَ أن أباشرَ خدمةَ السهر كأسقف على نيابة صربا، وكلمةُ أسقف المشتقّة من “(Episcopos) في اليونانيّة تعني “الساهر” و”الحارس”، يطيبُ لي أن أُردّد مع صاحب المزامير: “إن لم يَبنِ الربُ البيت، فباطلاً يتعبُ البناوؤن” (مزمزر 127/1). أقول هذا لا لأتراجع عن خدمة السهر بل لأنّ  الكنيسة هي في طبيعتها كنيسةُ الله؛ هو بانيها وحارسُها الذي “لا ينعسُ ولا ينام” كما يقول صاحب المزامير (مزمور 121/4). كلّ ما أرجو لي ولكم، أيّها الأحبّاء بالمسيح، هو أن يكون كلّ منا بين يديّ الله “أداةً” طيّعة، مثل بولسَ الرسول بعد اهتدائه على طريق دمشق (أعمال  9/15)، لنبنيَ كنيستَه على مثال الجماعة المسيحيّة الأولى التي نشأت بعد العنصرة، “بالمواظبة على تعليم الرسل والشركة الأخويّة وكسر الخبز والصلوات” (أعمال 2/42).

وإذا خفتُ الاّ أَنجحَ في مهمّتي بسبب أوهاني وشعوري بمعطوبيّتي، فأرجو منك يا ربّ، أنتَ يا “فاحصَ الكلى والقلوب” (إرميا 17/10)، أن تُسمعَني تلك الكلمات التي قلتَها للرسول بولس: “تكفيك نعمتي! لأنٍّ قدرتي تكتمل في الضُعف” (2 كور 12/9).

قدّرني الله أن أكون أهلاً بهذه النعمة، بشفاعة القديسين والشهداء، وبصلوات المؤمنين وأدعيتهم، وبالذّكر الطيّب للوالدَين يوسف وهيفاء، ومعهُما الآباءُ والأمّهات والرهبانُ والراهبات والكهنة الذين أصبحوا في دنيا الحق بعد أن علّمونا بمَثَلِهم أن نكون أبناءَ الله. رَحَماتُ الله عليهم، وأعطاني التشبّهَ بأبوّتهم وأمومتهم في خدمتي الأسقفيّة، على رجاء أن نُحصى معهم جميعاً في عداد الأبرار والصديقين في الملكوت السماوي الذي لا يغرُبُ شمسُه. آمين

شاهد أيضاً

رسالة قداسة البابا فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي الثّامن والخمسين لوسائل التّواصل الاجتماعيّة الذّكاء الاصطناعيّ وحكمة القلب:للتّواصل البشريّ الكامل …

رسالة قداسة البابا فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي الثّاني والثّلاثين للمريض 11 شباط/فبراير 2024“لا يَحسُنُ أَن يَكونَ الإِنسانُ وَحدَه” …