التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي عيد ارتفاع الصليب والأحد الأوّل من زمن الصليب – الجمعة 14والاحد 16 ايلول 2012

التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي

عيد ارتفاع الصليب والأحد الأوّل من زمن الصليب – الجمعة 14والاحد 16 ايلول 2012

(يوحنا 12: 20-32) و (مرقس 10: 35-45)

مع عيد ارتفاع الصليب، يبدأ الزمن الأخير من السنة الطّقسية، ومعروف “بزمن النهايات” أو “الواقعات الجديدة” أعني موت الإنسان، والدّينونة، والخلاص والهلاك الأبديَّين، ونهاية العالم. وهو في عينه زمن الثّبات في الإيمان والرجاء والمحبة، بالرّغم من محن الحياة وصعوباتها، ومن محنة الرفض والإضطهاد

أولاً، عيد ارتفاع الصليب

تاريخيّاً، يرقى العيد إلى سنة 330 عندما انتصر الملك قسطنطين الكبير على مكسنسيوس في روما، مستعيناً بالمسيحيّين وبصلاة أمِّه هيلانه، وقد ظهرت له علامة الصليب في الجوّ أثناء المعركة، مع الكتابة: “بهذه العلامة تنتصر”، وفي سنة 326 زارت الملكة هيلانه الأراضي المقدّسة واكتشفت خشبة الصليب. فأخذت منها قسماً لابنها الملك قسطنطين. ثمّ تجدّد العيد سنة 628 مع الأمبراطور هرقل والبطريرك أورشليم زكريا، بعد انتصار الملك هرقل على الفرس واستعادة ذخيرة عود الصليب التي كان قد احتفظ بها كسرى ملك الفرس مدّة 14 سنة، عندما سبق واستولى على أورشليم، وأسر آلاف المسيحيّين، وعلى رأسهم البطريرك زكريّا مع ذخيرة الصليب

أمّا روحيّاً، فعيد ارتفاع الصليب يذكّرنا بعلامة الإنتصار على الشيطان والأرواح وقوى الشرّ، ويدعونا إلى الصّمود والثّبات في الرّجاء، وينير طرقاتنا في ظلمات الحياة. لذلك اعتاد المسيحيّون في ليلة العيد على إشعال النّار على التلال. وهذا أمر مرتبط بحدث تاريخي، إذ كان القوّاد يستعينون بإشعال النار على قمم الجبال، من أجل إيصال خبر ما من منطقة إلى منطقة

من الناحية الطّقسية إنّ زمن الصليب، الممتدّ من العيد في 14 أيلول حتى آخر أحد من شهر تشرين الأوّل، هو “زمن النهايات والواقعات الجديدة”، وفي الوقت عينه زمن الكنيسة المجاهدة على الأرض من أجل إعلان ملكوت الله وبنائه وسط المحن. كلّ أناجيل الآحاد تتكلّم على هذين البُعدين: حياة الكنيسة المجاهدة والنهايات

 أولاً، شرح نصّ الانجيل

من إنجيل القديس يوحنا 12: 20-32

   قَالَ يُوحنَّا الرَسُول: كَانَ بَينَ الصَاعِدِينَ لِيَسْجُدُوا في العِيد، بَعْضُ اليُونَانِيِّين. فَدَنَا هؤُلاءِ مِنْ فِيلِبُّسَ الَّذي مِنْ بَيْتَ صَيْدَا الجَلِيل، وسَأَلُوهُ قَائِلين: «يَا سَيِّد، نُرِيدُ أَنْ نَرَى يَسُوع». فَجَاءَ فِيلِبُّسُ وقَالَ لأَنْدرَاوُس، وجَاءَ أَنْدرَاوُسُ وفِيلِبُّسُ وقَالا لِيَسُوع. فَأَجَابَهُمَا يَسُوعُ قَائِلاً: «لَقَدْ حَانَتِ السَاعَةُ لِكَي يُمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَان. أَلحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكُم: إِنَّ حَبَّةَ الحِنْطَة، إِنْ لَمْ تَقَعْ في الأَرضِ وتَمُتْ، تَبْقَى وَاحِدَة. وإِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِير. مَنْ يُحِبُّ نَفْسَهُ يَفْقِدُهَا، ومَنْ يُبْغِضُهَا في هذَا العَالَمِ يَحْفَظُهَا لِحَيَاةٍ أَبَدِيَّة. مَنْ يَخْدُمْنِي فَلْيَتْبَعْنِي. وحَيْثُ أَكُونُ أَنَا، فَهُنَاكَ يَكُونُ أَيْضًا خَادِمِي. مَنْ يَخْدُمْنِي يُكَرِّمْهُ الآب. نَفْسِي الآنَ مُضْطَرِبَة، فَمَاذَا أَقُول؟ يَا أَبَتِ، نَجِّنِي مِنْ هذِهِ السَاعَة؟ ولكِنْ مِنْ أَجْلِ هذَا بَلَغْتُ إِلى هذِهِ السَاعَة! يَا أَبَتِ، مَجِّدِ اسْمَكَ». فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَمَاءِ يَقُول: «قَدْ مَجَّدْتُ، وسَأُمَجِّد». وسَمِعَ الجَمْعُ الحَاضِرُ فَقَالُوا: «إِنَّهُ رَعد». وقَالَ آخَرُون: «إِنَّ مَلاكًا خَاطَبَهُ». أَجَابَ يَسُوعُ وقَال: «مَا كَانَ هذَا الصَوْتُ مِنْ أَجْلِي، بَلْ مِنْ أَجْلِكُم. هِيَ الآنَ دَيْنُونَةُ هذَا العَالَم. أَلآنَ يُطْرَدُ سُلْطَانُ هذَا العَالَمِ خَارِجًا. وأَنَا إِذَا رُفِعْتُ عَنِ الأَرض، جَذَبْتُ إِليَّ الجَمِيع»

   1. جواب يسوع لليونانيين الذين أرادوا أن يتعرّفوا إلى يسوع، كان كلاماً عن سرّ موته على الصليب: إنّه ساعة تمجيده وتمجيد الآب، قال: “جاءت الساعة ليتمجّد فيها إبن الإنسان”. موت يسوع هو مجده، لأنّه بموته يفتدي الجنس البشري ويميت معه الخطيئة وسلطانها ونتيجتها كموت أبدي للخطأة. وموته تمجيد للآب لأنّه حقّق إرادته الخلاصيّة التي تبغي المصالحة مع جميع الناس، وخلاصهم الأبدي، وقد حقّق إرادة الآب بطاعته الكاملة حتى الصليب. وموته تمجيد ليسوع، لأنّه سيقوم منتصراً على الموت في اليوم الثالث، وسيعطي المؤمنين الحياة الجديدة التي تجعل الإنسان الحيّ انعكاساً لمجد الله، على ما يقول القديس إريناوس: “مجد الله الإنسان الحيّ”

2. إنّه يشبّه كلّ هذه الحقائق “بحبَّة القمح التي، إذا وقعت في الأرض، أعطت ثمراً كثيراً”. لقد ترك لنا هذا النّهج في حياتنا المسيحيّة والعائليّة والإجتماعيّة: التّضحية والتجرّد عن الذات يعطيان الثمار الوفيرة، وبذلك نمجّد الله، غاية وجودنا. كان لنا تأكيد ذلك بجواب الآب على صرخة يسوع: “يا أبتاه مجِّد اسمك”، إذ قال ما يؤكّد أنّ مجد الله يتواصل عبر الأجيال في الذين يعيشون في طاعته ويتحقّق تصميمه الخلاصي بواسطتهم، ويعطي العالم ثمار تضحياتهم، فيمجّدهم بنعمته ويتمجّد بأعمالهم البارّة. فأجاب: “لقد مجّدت وسأمجّد”. وشرح يسوع أنّ هذا الصوت السماوي لم يكن من أجله، بل من أجل الحاضرين

3. ويختم الربّ بإعلان انتصاره على الشّيطان سيّد هذا العالم، وبموته وقيامته العتيدَين، وبذلك يكتمل مجده ومجد الآب، ويتحقّق مجد كلّ إنسان ينتصر بنعمة المسيح وكلمته وبقوّة الروح القدس على الشّيطان والخطيئة: “الآن يُطرد سلطان هذا العالم خارجاً. وأنا إذا رُفعت عن الأرض، جذبتُ إليّ الجميع”

4. عيد ارتفاع الصليب المقدّس، في ضوء كلام الربّ يسوع كلّه، إعلان إيماني بأنّ يسوع هو فادي الجنس البشري والمخلّص الوحيد والشامل لجميع الناس. وهو أيضاً استباق لارتفاعه بالمجد إلى السماء بقيامته وصعوده، اللّذين ضمنا لنا القيامة لحياة جديدة، والمجد في ملكوت السماء. ذلك بأنّ بارتفاعه الممجّد يجذب الجميع

من أجل هذه الغاية تُسمّى مرحلة ارتفاع الصليب “زمن النهايات والواقعات الجديدة” المعروفة بإسمَين: الباروزيا أي نهاية الأزمنة، ومجيء الربّ الثاني بالمجد، وتعني “الظهور”؛ واسكاتولوجيا أي قيامة الموتى، والدينونة الأخيرة، والثواب والعقاب الأبديَّين

*     *     *

   ثانياً، الأحد الأول من زمن الصليب

   من إنجيل القديس مرقس 10: 35-45

دَنَا مِنْ يَسُوعَ يَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا، ابْنَا زَبَدَى، وقَالا لَهُ: «يَا مُعَلِّم، نُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ لَنَا كُلَّ ما نَسْأَلُكَ». فقَالَ لَهُمَا: «مَاذَا تُرِيدَانِ أَنْ أَصْنَعَ لَكُمَا؟». قالا لَهُ: «أَعْطِنَا أَنْ نَجْلِسَ في مَجْدِكَ، واحِدٌ عَن يَمِينِكَ، ووَاحِدٌ عَنْ يَسَارِكَ». فقَالَ لَهُمَا يَسُوع: «إِنَّكُمَا لا تَعْلَمَانِ مَا تَطْلُبَان: هَلْ تَسْتَطِيعَانِ أَنْ تَشْرَبَا الكَأْسَ الَّتي أَشْرَبُها أَنَا؟ أَو أَنْ تَتَعَمَّدَا بِالمَعْمُودِيَّةِ الَّتي أَتَعَمَّدُ بِهَا أَنَا؟». قالا لَهُ: «نَسْتَطِيع». فَقَالَ لَهُمَا يَسُوع: «أَلْكَأْسُ الَّتي أَنَا أَشْرَبُها سَتَشْرَبَانِها، والمَعْمُودِيَّةُ الَّتي أَنَا أَتَعَمَّدُ بِهَا ستَتَعَمَّدَانِ بِهَا. أَمَّا الجُلُوسُ عَنْ يَمِينِي أَوْ عَنْ يَسَارِي، فلَيْسَ لِي أَنْ أَمْنَحَهُ إِلاَّ لِلَّذينَ أُعِدَّ لَهُم». ولَمَّا سَمِعَ العَشَرَةُ الآخَرُون، بَدَأُوا يَغْتَاظُونَ مِنْ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا. فدَعَاهُم يَسُوعُ إِلَيْهِ وقَالَ لَهُم: «تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذينَ يُعْتَبَرُونَ رُؤَسَاءَ الأُمَمِ يَسُودُونَهُم، وَعُظَمَاءَهم يَتَسَلَّطُونَ عَلَيْهِم. أَمَّا أَنْتُم فلَيْسَ الأَمْرُ بَيْنَكُم هكَذا، بَلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُم عَظِيمًا، فلْيَكُنْ لَكُم خَادِمًا. ومَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ الأَوَّلَ بيْنَكُم، فَلْيَكُنْ عَبْدًا لِلْجَمِيع؛ لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضًا لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَم، بَلْ لِيَخْدُم، ويَبْذُلَ نَفْسَهُ فِداءً عَنْ كَثِيرين»

   مع هذا الأحد الأوّل من زمن الصليب، يبدو وجه الكنيسة المجاهدة من أجل خلاص الإنسان والدفع به إلى حياة جديدة بقوّة صليب المسيح، والمشاركة في حمله

   هذه المشاركة سمّاها يسوع مشاركة في “شرب كأس آلامه”، أي قبول المحن والصعوبات، واحتمالها في سبيل خير أكبر؛ وسمّاها “صبغته” أي نهجه وحالة عبد الله المتواضع والمطيع لإرادة الآب حتى الموت على الصليب؛ وسمّاها أخيراً “معموديته” أي الموت عن الذات وفدى عن الكثيرين، غسلاً لخطاياهم، والعبور بالقيامة إلى حياة جديدة

   بجوابه على طلب يعقوب ويوحنا، حدّد يسوع المشاركة المثلَّثة كشرط لاتّباعه في رسالة الفداء والخلاص، ولبلوغ المجد السماوي. ومن ناحية أخرى، أعطى قيمة خلاصيّة لآلام البشر، إذا عرفوا أن يجعلوها آلام مخاض (يو 16: 21)، لا آلام نزاع ويأس.

   ولمّا اغتاظ التلاميذ العشرة الباقون من طلب يعقوب ويوحنا، إنتهز يسوع الفرصة ليكلّمهم عن نهج السلطة في الكنيسة، بأنّها خدمة متواضعة تجعل من صاحبها حقّاً خادماً متفانياً لا متسلّطاً: “من أراد أن يكون الأوّل، فليكنْ خادماً للجميع”. هذا النهج سلكه الربّ يسوع أمامهم، بخدمة البذل والموت في سبيل الآخرين: “إبن الإنسان لم يأتِ ليُخدم، بل ليخدم، ويبذل نفسه فداء عن الكثيرين”. وهكذا تصبح السلطة سبيلاً إلى تقديس الذات وبلوغ المجد السماوي

   هذا النهج اراد يسوع أن يتبعه أيضاً أصحاب السلطة المدنيّة والسياسية لأنّ السلطة، كلّ سلطة، هي من ترتيب الله من أجل خير الجماعة، ما يعني أنّ ممارستها تخضع لشريعة الله الأخلاقيّة. وقد قال بولس الرسول: “لا سلطة إلّا من الله”، ومطلوب منها توفير “حياة مطمئِنّة وهادئة (ا طيم2: 1-2). هذا يعني أيضاً انّ السلطة لا تأخذ شرعيّتها من ذاتها، وإلّا أصبحت ظلماً وسعياً إلى المصلحة الذّاتية على حساب الخير العام. ولا تستطيع أن تُمارَس شرعيّاً، إلّا إذا سعت دائماً وراء خير الجماعة واستعملت الوسائل الجائزة أدبيّاً

   وكون أصحاب السلطة، على ما يقول أيضاً بولس الرسول، هم “خدّام للشعب والخير” (روم 13: 4)، فإنّ السلطة موضوعة، وفقاً للشرع الطبيعي، من أجل تأمين خير الإنسان وكرامته وحقوقه الاساسيّة. ولذلك يُعتبر العمل السياسي فنّاً شريفاً لتعزيز الخير العام، الذي منه خير الجميع وخير كلّ إنسان، إذ تؤمِّن لهم أوضاع الحياة، الثقافيّة والإقتصاديّة والإجتماعيّة والتشريعيّة والإداريّة والقضائيّة، التي تمكّن الاشخاص والجماعات من تحقيق ذواتهم (شرعة العمل السياسي، ص6)

    من يقبل السلطة، عليه ممارستها بروح الخدمة المقرونة بالمناقبيّة والكفاءة والفعاليّة. فيتصرّف بنبل، ويتصدّى للإغراءات، ويتجنّب اللّجوء إلى المناورات الخسيسة والكذب، وينهي نفسه عن اختلاس المال العام، ويمارس السلطة بتجرّد وشفافيّة، ويؤدّي الشّهادة للقيم الإنسانيّة والأخلاقيّة كالنزاهة والتفاني والعدالة والإنصاف (المرجع نفسه، ص20-21)

*     *     *

   ثالثاً، جمعيّة سينودس الأساقفة العادية الثالثة عشرة حول:”الإعلان الجديد للإنجيل، من أجل نقل الإيمان المسيحي”

   من الفصل الثاني من وثيقة “أداة العمل”، وعنوانه: زمن الإعلان الجديد للإنجيل أو زمن الأنجلة الجديدة، نتناول دور المسيحيّين في الأوضاع الناتجة عن المتغيّرات والتحوّلات (الفقرات 68 – 75)

   1. السؤال الأساس: لماذا كثير من المؤمنين ينقطعون عن الممارسة المسيحيّة؟ فجاءت الأجوبة على وثيقة “الخطوط العريضة” تحدّد عدّة أسباب:

– لأنّ الكنيسة لم تعطِ جواباً مناسباً ومُقنعاً على التحديات المطروحة على المساحات التي خلّفتها التحوّلات والتغيّرات

– ضعف الإيمان لدى المؤمنين

– إنتقاص المشاركة الشخصيّة والإختباريّة في نقل الإيمان، وعدم كفاية المرافقة الروحيّة للمؤمنين، أثناء مسيرتهم التربويّة والفكريّة والمهنيّة

– إبتعاد المسؤولين الكنسيّين عن الإنسان العادي وعن همومه الوجوديّة في ديناميّة الجماعات المسيحية، وأدّى الى فقدان حماس البدايات، وأضعف الإندفاع الرسولي

– الإحتفالات الليتورجية الصورية، والطقوس التي تُردّد كعادة، وتخلو من أيّ إختبار روحي عميق، الأمر الذي يؤدِّي الى إبعاد الأشخاص، بدلاً من اجتذابهم

– إداء شهادة معاكسة من بعض الأعضاء، مثل: عدم الأمانة للدّعوة، الشكوك، قلّة التحسّس لمعضلات إنسان اليوم وفي أوضاع العالم الحالية

 – وجود “سرّ الإثم” (2 تسا 2 : 7)، وصراع التنّين ضدّ بقية ذريّة المرأة، “ضدّ الذين يحفظون وصايا الله، ويمتلكون الشهادة ليسوع” (رؤيا 12 : 17)

   ومن أجل تقييم موضوعي، ينبغي دائماً الإنتباه الى سرّ الحرّية البشرية، التي هي هبة من الله، ويستطيع الإنسان استعمالها بشكل خاطئ، عندما يتمرّد على الله، ويرتدّ ضد الكنيسة

على الأنجلة الجديدة السعي الى توجيه حرية الأشخاص، رجالاً ونساءً، نحو الله، ينبوع الصلاح والحقيقة والجمال، وإلى تجديد الإيمان من أجل تجاوز الأسباب والحالات التي ذكرناها، والتي تعرقل الحياة المسيحية الأصيلة، وفقاً لإرادة الله، المُعبَّر عنها في وصية المحبة لله وللقريب (راجع مرقس 12: 33) (الفقرة 69)

    2. لكن وثيقة الخطوط العريضة كشفت أيضاً نجاحات وإيجابيات المساحات الجديدة في الإختبار المسيحي

– حركة الهجرة ساعدت الكنائس المحلية على اللّقاء وتبادل العطايا، وقبول حيوية إيمان الجماعات المسيحية المهاجرة وطاقتهم. العمل الرسالي اليوم لم يعد بين شمال وجنوب، وغرب وشرق، بل أصبح قائماً في القارّات الخمس. فتُطرح مسألة الله في كلّ مجالات اللّقاء والخليط وإعادة بناء العلاقات الإجتماعيّة في كلّ مكان. الجمعيّة السينودسيّة تشكّل المكان المناسب للتبادل المغني لهذه الإختبارات (الفقرة 70)

– في المساحة الإقتصادية، تمكّنت الجماعات المسيحيّة من القيام بأعمال ومبادرات لافتة تجاه الفقراء، أعطت ثماراً كثيرة. فنشأت مؤسّسات جديدة لدعم المعوزين وتولّد حسّ كبير في الكنيسة لهذا الشأن. فكانت أعمال المحبّة تجاه الفقراء أداة للأنجلة الجديدة والشهادة للإيمان في مجتمع يعظّم الإستهلاكية والتملّك (الفقرة 71)

– على مستوى المساحة الروحية، نما العمل المسكوني، مع ما يرافقه من صعوبات وبعض التوتّر، ولكنّ الجهود تبذل بصبر وتصميم لحلحلتها. إنّ حدّة الأوضاع حيث نحن مدعوّون كمسيحيّين لنعيش إيماننا ونعلن الإنجيل، قد ألقت الضوء على ضرورة الوحدة الحقيقية بين المسيحيين. ونعني بالوحدة، لا مجرّد علاقات وديّة أو تعاون في تحقيق هذا أو ذاك من المشاريع المشتركة، بل التّوق الى ان يغيّرنا الروح القدس من الداخل، لكي نكون أكثر شبهاً بصورة المسيح. هذه الوحدة، وهي روحيّة قبل أي شيء، ينبغي أن نطلبها بالصلاة، قبل تحقيقها في الأعمال، بالوحدة، يبيّن المسيحيّون للعالم قوة النّداء المسيحي النبويّة والمحوِّلة. وفي كل حال، ترك لنا المسيح وصيّة في صلاته: “ليكونوا واحداً” (يو 17: 21) (الفقرة 72)

صلاة

   أيّها الربّ يسوع، بصليبك خلّصت العالم وحققت الإنتصار على الشيطان والخطيئة والموت، قوِّ إيماننا بقدرة الصليب، لكي نبني في عالمنا ملكوتك، ملكوت القداسة والمحبة، ملكوت العدالة والحرية، ملكوت الأخوّة والسلام. ساعدنا لكي نحقّق إرادة الله في تاريخنا البشري، ونحقّق مجده فينا وبواسطتنا. علّمنا التجرّد والتّضحية لكي نواصل نهج حبّة القمح التي تموت في الأرض فتعطي ثمراً كثيراً. بارك زيارة قداسة البابا بندكتوس السادس عشر الى لبنان، لكي تعطي ثمر السلام والتجدّد والإنطلاق بحماس نحو الأنجلة الجديدة في محيطنا اللّبناني والشّرق أوسطي، معتمدين ما يقول الروح لكنائسنا في وثيقة الإرشاد الرسولي الخاصّ بالشّرق الأوسط، وليرتفعْ دائماً من عالمنا المشرقي المجد والتسبيح والشكران للآب والإبن والروح القدس الآن والى الأبد، آمين

*     *     *

شاهد أيضاً

رسالة قداسة البابا فرنسيس في مناسبة اليوم العالمي الأوّل للأطفال

25-26 أيّار/مايو 2024 رسالة قداسة البابا فرنسيس في مناسبة اليوم العالمي الأوّل للأطفال 25-26 أيّار/مايو …

رسالة قداسة البابا فرنسيس في مناسبة الزّمن الأربعيني 2024 مِن البرِّيَّة يقودنا الله إلى الحرّيّة

رسالة قداسة البابا فرنسيس في مناسبة الزّمن الأربعيني 2024 مِن البرِّيَّة يقودنا الله إلى الحرّيّة …