التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي أحد مولد يوحنا المعمدان 9 كانون الأول 2012

التنشئة  المسيحية  لغبطة أبينا البطريرك  مار بشاره بطرس الراعي

أحد مولد يوحنا المعمدان  9 كانون الأول 2012

(لو 1: 57-66)

بمولد يوحنا المعمدان، تاريخ سرّ الله الخلاصي سائر نحو اكتماله، فيوحنا هو السابق لمجيء يسوع ابن الله المتأنّس، مخلّص العالم وفادي الإنسان والمعلن له، مثلما الفجر يسبق طلوع الشمس ويعلنه. في الواقع، لما بدأ يوحنا رسالته على ضفاف الأردن، كان يكرز ويقول: “توبوا لقد اقترب ملكوت السماوات” (مر1: 15) وعندما كان يعمّد كان يعلن: “أنا أعمدكم بالماء للتوبة. ولكن سيأتي بعدي من هو أقوى مني، هو يعمّدكم بالروح القدس والنار” (متى 3: 11). وبمولد يوحنا تجلّت رحمة الله التي سيعلنها اسمه.

أوّلاً، شرح نصّ الإنجيل

من إنجيل القديس لو 1: 57-66

     قالَ لوقا البَشِير: تَمَّ زَمَانُ إِليصَابَاتَ لِتَلِد، فَوَلَدَتِ ابْنًا. وسَمِعَ جِيرانُهَا وأَقَارِبُها أَنَّ الرَبَّ قَدْ عَظَّمَ رَحْمَتَهُ لَهَا، فَفَرِحُوا مَعَهَا. وفي اليَوْمِ الثَامِنِ جَاؤُوا لِيَخْتِنُوا الصَبِيّ، وسَمَّوْهُ باسْمِ أَبِيهِ زَكَرِيَّا. فأَجَابَتْ أُمُّهُ وَقالَتْ: «لا! بَلْ يُسَمَّى يُوحَنَّا!». فقَالُوا لَهَا: «لا أَحَدَ في قَرابَتِكِ يُدْعَى بِهذَا الاسْم». وأَشَارُوا إِلى أَبِيهِ مَاذَا يُريدُ أَنْ يُسَمِّيَهُ. فطَلَبَ لَوْحًا وكَتَب: «إِسْمُهُ يُوحَنَّا!». فَتَعَجَّبُوا جَمِيعُهُم. وانْفَتَحَ فَجْأَةً فَمُ زَكَرِيَّا، وانْطَلَقَ لِسَانُهُ، وَجَعَلَ يَتَكَلَّمُ ويُبَارِكُ الله، فَاسْتَولى الخَوْفُ على جَمِيعِ جِيرانِهِم، وتَحَدَّثَ النَاسُ بِكُلِّ هذِهِ الأُمُورِ في كُلِّ جَبَلِ اليَهُودِيَّة. وكانَ كُلُّ مَنْ سَمِعَ بذلِكَ يَحْفَظُهُ في قَلْبِهِ قَائِلاً: «ما عَسَى هذَا الطِّفْلُ أَنْ يَكُون؟». وكانَتْ يَدُ الرَبِّ حَقًّا مَعَهُ.

1. إنّ وعود الله تتمّ في أوانها. وهي علامة أمانته لذاته ولوعوده: “يا ربّ إلى السماء محبتك وإلى الغيوم أمانتك” (مز36: 6). يوحنا الموعود به يولد، وبعد ستّة اشهر سيولد المسيح الرب. أعلن الملاك لزكريا أن ابنه يُدعى يوحنا، الذي يعني “الله رحوم”. فتجلّت رحمة الله لزكريا وإليصابات العجوزَين بإعطائهما ولدٌ قال عنه الربّ يسوع: “لم يولد مثله في مواليد النساء” (لو7: 28). كما تجلّت في حلّ عقدة لسان زكريا حالما كتب على لوحه “اسمه يوحنا”. “وتجلّت للشعب لأن الله افتقده” (لو1: 78). أجل رحمة الله، وأمانته لرحمته، “تدوم لألف جيل” (خروج 34: 6). ما يعني أنهما تستمرّان على الرغم من خيانة الناس والقصاص الذي تستوجبه خطاياهم. فهو، يقول بولس الرسول، غنيّ بالرّحمة (أفسس2: 4)، حتى أنّه بذل ابنه الوحيد مائتاً على الصليب ليحرّرنا من الخطيئة. وشهد موسى في العهد القديم أنّ “الربّ يهوه، إلهٌ رحومٌ شفوق، بطيءٌ للغضب، وغنيّ بالنعمة والأمانة” (خروج 34: 6).

   2. لأنّ الله أب، فإنّه قدير على العناية، وقد جعلنا أبناءه وبناته، كما نقرأ في رسالة القديس بولس إلى أهل كورنتس: “أكون لكم أباً، وأنتم تكونون لي أبناء وبنات، يقول الربّ الإله القدير” (2 كور6: 18). ولأنّه أبٌ قدير، فإنّ رحمته لا متناهية، حتى بلغت غفران الخطايا (كتاب التعليم المسيحي، 270).

   ولأنّ الله محبة، فإنه رحوم. الرحمة هي ثمرة المحبة. بمحّبته الرحوم، عطف يسوع على الخطأة، تقرّب منهم، أكل على مائدتهم وأعلن أنه أتى ليدعو الخطأة لا الأبرار (مر2: 17)، وأعرب عن الفرح في السماء لخاطئ واحد يتوب (لو15: 7). وبلغت محّبته الرحوم إلى ذبيحة ذاته على الصليب لمغفرة الخطايا (متى 26: 28). وكشف عمق رحمة الله بمثل الإبن الشاطر (لو15: 11-24).

   3. العالم يحتاج إلى رحمة، لكي يتمكّن الناس من أن يتصالحوا من كلّ القلب، ويتبادلوا الغفران عن الإساءات، ويعيشوا فرح المصالحة وسعادتها؛ ولكي يمارس المسؤولون العدالة والإنصاف، ولكي نعطف كلّنا على الفقراء والمُعوزين. الرحمة تنفي الظلم والاستبداد والاستكبار. والرحمة تلطّف العدالة، وإلّا أصبحت العدالة ظلماً بدونها.

   إنّنا نصلّي لكي تنفتح قلوب السياسيين لقبول المحبة والرحمة من الله، لكي يضعوا حدّاً للإساءات الكلاميّة، وللعنف والحرب؛ ولكي يشعروا مع المواطنين في حاجاتهم، فيُخرجونهم من حالة العوز والبطالة والهجرة النفسية والحسّية؛ ولكي يعطفوا على الأطفال والأجيال الطاعة والشبيبة، فيفتحون أمامهم آفاقاً جديدة ومستقبلاً واعداً.

   4. الإنسان من دون محبة ورحمة يفقد إنسانيّته، ويصبح وحشاً لأخيه الإنسان: يستغل ضعفه وحاجته ليكسب مال الحرام بالسرقة والرشوة والتلاعب بالأسعار وفرض المال من دون وجه حقّ لقاء خدمات عامّة أو خاصّة؛ يستقوي عليه ويمارس العنف والإرهاب والتعدي على سلامته وحياته؛ يحجم عن مدّ يد المساعدة له في حاجته.

   نتعلّم الرحمة من مدرسة المسيح في ذبيحة القداس: فقد قدّم ذاته لمحبة الآب ذبيحة كاملة من أجل خلاص الجنس البشري. إنها ذروة الرحمة وثمرتها. الرحوم وحده يضحّي من ذاته ومن قلبه ويده. ولهذا ردّد الربّ يسوع كلمة هوشع النبي: “أريد رحمة لا ذبيحة” (متى9: 13؛ 12: 7).

   لقد جفّت الرحمة في القلوب بسبب الابتعاد عن المشاركة في ذبيحة القداس، يوم الأحد، لدى العديد من الناس، ولا سّيما لدى المسؤولين السياسيين. وضعفت لدى الذين يمارسونها خارجياً.

* * *

   ثانياً، مفهوم رتبة الكردينالية

   ثالثاً، الإرشاد الرسولي: الكنيسة في الشرق الأوسط، شركة وشهادة

    1. في إطار التعليم والتوجيهات حول الشركة والشهادة ضمن الكنيسة الواحدة، ثمّ مع الكنائس الكاثوليكية، وامتداداً إلى المستوى المسكوني، مع الكنائس الأرثوذكسية وتلك المتحدّرة من حركة الإصلاح، يتناول الإرشاد الشركة والشهادة على صعيد العلاقة مع الأديان، ولا سّيما مع الديانتَين الإسلامية واليهودية.

   معلوم أنّ الإسلام واليهودية لا يفصلان بين الدين والدولة. حديثنا ينحصر في العلاقة بين الأديان لا بين الدول. وعلى هذا المستوى، الدولة الإسلامية شيء والدين الإسلامي شيء آخر، ودولة إسرائيل اليهودية شيء، والديانة اليهودية شيء آخر. فينبغي التعالي عن الجراح التي تسبب بها وما زال الاستعمال السياسي للدين من أجل رفض الآخر، والاعتداء عليه وممارسة الإرهاب والعنف.

   2. الإرشاد الرسولي يدعو إلى وعي العلاقات الإيجابية الروحية والتاريخية التي تجمع المسيحيين إلى المسلمين واليهود، من أجل إحياء حوار الحياة والثقافة فيما بينهم، كأساس للعلاقات على مستوى الحياة العامّة وحقوق المواطنة.

   الجميع يؤمنون بإله واحد، خالق جميع الناس. وعلى الجميع أن يعيدوا اكتشاف رغبة الله في وحدة العائلة البشرية وتناغمها، وأن يكتشفوا في المؤمن الآخر المختلف أخاً يُحترم ويحبّ، وبذلك يؤدّون جميعهم على أراضيهم شهادة العيش معاً بطمأنينة وسلام كأبناء لإبراهيم. وعليهم جميعاً، بدلاً من أن يكونوا أدوات لنزاعات متكرّرة ولا مبرّر لها، أن يساهموا إسهاماً كبيراً في إحلال السلام في المنطقة وفي العيش معاً باحترام متبادل، إذا عاشوا بقلب نقي إيمانهم بالإله الواحد (الفقرة 19).

   3. يعدّد الإرشاد الرسولي الروابط الروحية والتاريخية مع كلّ من المسلمين واليهود.

   أ. مع المسلمين

   وفقاً لتعليم المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، الكنيسة الكاثوليكية تنظر إلى المسلمين بالتقدير لأنهم يؤدّون العبادة لله، لاسيّما بالصلاة والزكاة والصوم؛ ويكرّمون يسوع كنبيّ، من دون الإقرار بألوهيّته؛ كما يكرّمون مريم البتول. يأسف الإرشاد الرسولي بأن تكون الاختلافات العقائدية قد اتّخذت مبرّراً لكي يُمارس باسم الدين عدم التسامح والتمييز والتهميش وحتى الاضطهاد (الفقرة 23).

   ب. مع اليهود

   الروابط بين المسيحيين واليهود تتأصّل في تراث روحي ثمين ومشترك، قائم على أربعة: الإيمان بإله واحد خالق يكشف نفسه للإنسان كشفاً كاملاً وبحبّ يريد فداءه؛ الكتاب المقدس في قسم كبير منه، وهو كلمة الله الموجّهة إليهم؛ يسوع ولد ابناً للشعب المختار والمسيحيون يعترفون أنّه المسيح ابن الله، ومريم أمه هي ابنة هذا الشعب؛ والتقليد الإيماني والثقافة المشتركة التي أغناها المسيح والمسيحيون (الفقرتان 20 و21). يأسف الإرشاد الرسولي لما شاب هذه العلاقات من انفعالات بشريّة أدّت عبر التاريخ إلى حالات سوء تفاهم، وانعدام الثقة والاضطهادات الساخنة والعنيفة. ويدعو الإرشاد الرسولي للانفتاح على آفاق جديدة تضعهم في حالة من المسؤولية تجاه بعضهم البعض، لأن الشعبَين نالا البركة نفسها والوعود الإلهيّة بالحياة الأبدية التي تسمح بالتقدم الواثق صوب الأخوّة (الفقرة22).

   4. ويشير الإرشاد الرسولي إلى العيش معاً على مستوى الحياة اليومية، الذي يتقاسمه المسيحيون مع المسلمين في كلّ بلد من البلدان العربية، ومع اليهود والمسلمين في إسرائيل وفلسطين. وجود المسيحيين في هذه البلدان يرقى إلى عهد المسيح والرسل، إلى ألفَي سنة، وبالتالي ليس جديداً ولا طارئاً. وهو حضور أوجد علاقات طيبة في محيطه، ونشر قيم تكوين ثقافة غنيّة خاصة بالشّرق الأوسط (الفقرة 24).

*     *     *

   صلاة

   أيّها الربّ يسوع، بمولد يوحنا السابق المعمدان، كان الإعلان بإعداد طريقك إلى القلوب والنفوس لخلاصها وفدائها. إننا بالتوبة والصلاة ننتظر قدومك مخلّصاً للعالم وفادياً لكلّ إنسان. ونحملها رسالة منك نواصل فيها دور يوحنا، نعلن إنجيلك لكلّ الشعوب كلمة هادية منك وبشخصك، ونوزّع نعمة أسرارك الشافية، وهي ينابيع الحياة الجديدة الجارية من سرّك الفصحي، سرّ موتك وقيامتك. بالاسم يوحنا المعطى للمولود السابق، كان الإعلان لرحمة الله اللامتناهية. وكنت أنت أيّها الربّ يسوع تجسيداً لها بشخصك وأقوالك وآياتك. وأعطيت اسمك لها في التاريخ. فباتت الرحمة الإلهية في العالم أنت. أرسلْنا ربّ لننشر رحمتك في عالمنا الذي هو بحاجة ماسّة إلى الرحمة، لكي يتعايش الناس بأخوّة وتعاون وثقة. ولتكن الرحمةُ الأساسَ الدائم لخدمة الشركة والشهادة في بلدان الشّرق الأوسط مع إخواننا من الأديان الأخرى. ومعاً نرفع المجد والتسبيح للإله الواحد، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.

*     *     *

شاهد أيضاً

رسالة قداسة البابا  فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي السّابع والخمسين للسّلام الأوّل من كانون الثّاني/يناير 2024 الذّكاء الاصطناعيّ والسّلام …

الإرشاد الرّسوليّ  C’EST LA CONFIANCE الثّقة فقط

للحبر الأعظم البابا فرنسيسالثّقة بحبّ الله الرّحيم في مناسبة الذّكرى المائة والخمسين لولادة القدّيسة تريزا …