ايمان وشهادة – الرسالة العامة الثانية التي يوجهها صاحب الغبطة والنيافة الكردينال مار بشاره بطرس الراعي

ايمان وشهادة – الرسالة العامة الثانية التي يوجهها صاحب الغبطة والنيافة الكردينال مار بشارة بطرس الراعي – 25 آذار 2013

مار بشاره بطرس الراعي

بنعـمــة الـلّــه

بطريــرك أنطــاكــيـة وسـائر المشـرق

وكرديــنـــال الكـنـيسة الجــامعـــة

إلى إخوانِنا السادةِ المطارنةِ والرؤساءِ العامِّين والرئيساتِ العامَّات،

والكهنةِ والشمامسَةِ والرهبانِ والراهبات،

وأبناءِ كنيسَتِنا المارونيَّةِ وبَناتِها في لبنانَ والشّرقِ الأوسَطِ وبُلدانِ الانتشار،

وإلى ذوي الإراداتِ الصالحة،

السلامُ والبَرَكةُ الرسوليَّة

المقدمة

1. الإيمانُ والشَّهادةُ يُشكِّلان مَوضوعَ رسالَتِي الرَّاعويَّةِ الثانِيَةِ في بِدايَةِ السَّنَةِ الثالثَةِ لِخِدمَتي البطريركيَّةِ في عيدِ سيِّدةِ البشارَة، 25 أذار 2013. تُملِي علَينا هذا العنوانَ «سنةُ الإيمانِ» التي افْتَتَحَها البابا بندكتوس السادس عشر في 11 تشرينَ الأوَّل 2012، في الذكرى الخَمسين لافتتاحِ أعمالِ المَجمَعِ المسكونيِّ الفاتيكانيِّ الثاني، ولِمُرورِ عِشرينَ سنَةً على صُدورِ كِتابِ التعليمِ المسيحيّ للكنيسةِ الكاثوليكيَّة. كما يُمليهِ أيضًا الإرشادُ الرسوليُّ: «الكنيسةُ في الشَّرقِ الأوسَط، شَرِكَة وشَهادة»، وقد وقَّعَهُ الأبُ الأقدسُ نفسُهُ في 14 أيلول 2012، أثناءَ زيارتِهِ الرَّاعويَّةِ إلى لبنان. الإيمانُ باللهِ الواحِدِ والثالوث، وبِسِرِّ المسيحِ الذي ماتَ لِفِدائِنا وقامَ لِتَقديسِنا، وبالكنيسَةِ الواحدَةِ الجامِعَةِ المقَدَّسَةِ الرَّسوليَّة، يُكوِّنُ جَوهَرَ حياتِنا المَسيحيَّة. والشهادةُ لِمَحبَّةِ اللهِ والناسِ وللقِيَمِ الإنْجيليَّةِ تُحدِّدُ رِسالتَنا. الإيمانُ والشَّهادةُ ركيزتانِ أساسيَّتانِ في حياةِ الكنيسَة. وهما بالتالي جَوهَرُ الحضورِ المَسيحيِّ في لبنانَ وبُلدانِ الشَّرقِ الأوسَطِ وعالَمِ الانتِشار.

نَتناوَلُ في الفَصْلِ الأوَّل، مَفهومَ الإيمانِ ومُقتَضياتِهِ ومَخاطِرَه؛ وفي الثّاني مِساحاتِ الشَّهادَةِ المَسيحيَّة؛ وفي الثالِثِ دَعوَةَ لبنانَ التاريخيَّة.

بينَ الإيمانِ والشَّهادَةِ رِباطٌ عَميقٌ هو شَخْصُ يَسوعَ المَسيحِ الذي بِهِ نُؤمِنُ ولِمَحبَّتِهِ نَشهَد. فهو كَلِمَةُ اللهِ مَصدَرُ إيمانِنا، والشَّاهِدُ الأمينُ لِمَحبَّةِ اللهِ تُجاهَ جِنسِنا البَشَريّ. لَحظَةُ إيمانِنا الأُولى أنَّ الإنسانَ مَحبوبٌ مِنَ اللهِ لأنَّهُ «الخليقَةُ الوحيدَةُ التي أرادَها لِذَاتِه». ولا يَبلُغُ الإنسانُ الكمَالَ ما لم يَكتَمِلْ في الحُبِّ ويَكتَمِلِ الحُبُّ فيه. تلكَ هيَ الشَّهادَةُ الحقيقيَّةُ التي تُميِّزُ طَبيعَةَ الإنسانِ الأصيلَةِ التي وَضعَها اللهُ فيه: إنَّهُ كائِنٌ قادِرٌ على الحُبّ، بما أنَّه قادِرٌ على مَعرِفَةِ الله خالقِه. ذلِكَ ما يُؤسِّسُ كَرامَةَ كلِّ إنسانٍ أنَّهُ مَخلوقٌ مِنْ فِكرِ اللهِ المُحِبّ، وعَلَيهِ، بالتالي، أنْ يُجيبَ على هذا الفَضْلِ الإلهيِّ بأنْ يُحِبَّ خالِقَهُ ويَشهَدَ لِمَحَبَّتِه. لكنَّ هذِهِ الدَّعوَةَ الأصيلَةَ تَعتَرِضُها اليومَ صُعوباتٌ وعَوائِقُ جمَّةٌ في عَالَمٍ لَيسَ مِنَ السَّهْلِ أنْ يَجِدَ فيه الإنسان، بِسَبَبِ ما يَشهَدُهُ مِنِ اضِّطراباتٍ وحُروبٍ وعُنْفٍ وانْقِسامات، عَلاماتِ الرجاء بأنَّ هذا الإيمانَ حقيقَةٌ مَلموسَةٌ، وأنَّ الشَّهادَةَ لهذا الحُبِّ سَهلَةٌ في كَثيرٍ مِنَ الظُّروف.

هذه الدَّعوَةُ الأصيلَةُ هي مِنْ مَسؤوليَّةِ الكنيسَةِ بِحُكْمِ دَعوَتِها بما أنَّها «في المسيحِ بِمَثابَةِ السِّرِّ، أي العلامةُ والأداةُ للاتِّحادِ الصَّميمِ بالله ولِوَحدَةِ الجنْسِ البشَريِّ بِرُمَّتِه»[1]. فالكنيسةُ مَدعُوَّةٌ إلى حَمْلِ مِشعَلِ الرجاءِ في قَلْبِ واقعِنا، وهي مَسؤولَةٌ أيضًا أنْ تُقدِّمَ في كُلِّ مَرحلَةٍ مِنْ مَراحِلِ التاريخِ جَوابًا على الرجاءِ الذي فيها (1 بط 3: 15).

الإيمانُ والشَّهادَةُ يَنقلانِنا إلى حياةِ الكنيسةِ بالذَّاتِ وإلى صُلْبِ دَورِها في تاريخِ الخلاص، وارتِباطِ هذا التاريخِ بِتاريخِ أبناءِ اللهِ وحُضورِهم في قَلْبِ العالَمِ الذي يَتَشاركونَ فيهِ معَ آخَرين، ويَبحَثونَ بِدَورِهم عَنْ أجوبَةٍ على ما تَطرَحُهُ علَيهمِ الحياةُ المُشتَرِكَةُ مِنْ أسئلَةٍ مُلِحَّة.

2. لا يَسَعُنا، في مُستَهَلِّ هذه الرِّسالَةِ الرَّاعويَّة، إلاَّ أنْ نُعرِبَ عنِ ابْتِهاجِ كنيستِنا المارونيَّةِ معَ الكنيسةِ جَمعاء، رافعينَ صلاةَ الشُّكْرِ للهِ على انْتخابِ قَداسَةِ البابا الجديدِ فرنسيس. لقد أُوتِيتُ شَخصيًّا نِعمَةَ المُشارَكَةِ في انْتِخابِهِ معَ إخواني الكرادلَةِ الأجلاَّء، وكانَ عددُ مَجمَعِنا الانْتِخابيِّ 115 كردينالاً. وقدَّمْتُ التَّهانِيَ لِقَداسَتِهِ باسْمِ سينودُسِ أساقِفَةِ كنيسَتِنا وكهنَتِها ورُهبانِها وراهباتِها وجميعِ المؤمنينَ والمُؤمنات، في لبنانَ والشَّرقِ الأوسَطِ وبُلدانِ الانْتِشار. وَالْتَمَسْتُ بَركتَهُ الرَّسوليَّةَ وصلاتَهُ منْ أجلِهم جَميعًا ومن أجْلِ السَّلامِ في مِنطَقَتِنا المَشرِقيَّة. نَسألُ لَهُ منَ الله العُمْرَ الطويلَ والتأييدَ الإلهيَّ، لِكَي يُحقِّقَ أمنياتِ قَلبِهِ الكبير.

الفصل الأوّل

الإيمانُ ومُقتَضياتُهُ ومَخاطِرُه

بابُ الإيمان

3. «بابُ الإيمان» وهو استعارَةٌ اسْتَعمَلَها بُولسُ الرَّسولُ لِيَقولَ أنَّ الله فَتَحَ أمامَه بابًا للتَّبشيرِ بِإنجيلِ المَسيح (2 كو 2: 12)، اتَّخَذَهُ قداسَةُ البابا بندكتوس السادِس عشر عُنوانًا لِرِسالتِهِ التي أَعلَنَ فيها سَنةَ الإيمانِ، مُتوخِّيًا أنْ «يَعرُضَ لِجَميعِ المؤمنينَ قُوَّةَ الإيمانِ وجَمالَه»[2]. فيَدعونا لِنَعبُرَ بابَ الإيمان، الذي هو المسيح، كيْ نَدخُلَ في شَرِكَةٍ معَ اللهِ ومَعَ الكنيسة، ونَكتَشِفَ، في شَخْصِ المسيحِ، سِرَّ الإنسانِ، وطَريقَهُ إلى الحياةِ السَّعيدَة.

لقد عَبَرناهُ مرَّةً أُولى بالمعموديَّةِ والمَيرون، ونَعبُرُهُ مِنْ جَديد في كلِّ مرَّةٍ نَسمَعُ كلمَةَ اللهِ أو نَقرأُها أو نَتأمَلُ فيها، والقَلبُ مُستعِدٌّ لِقَبولِ النِّعمَةِ التي تُبدِّلُهُ وتُعيدُ تَكوينَهُ. إنَّ العبورَ المُؤدِّيَ إلى الإيمانِ هو في الحقيقَةِ عَطيَّةٌ منَ الله، وفِعلُ النِّعمَةِ التي تُبدِّلُ الإنسانَ في أعماقِ نَفسِه.

يسوعُ يُسمِّي نَفسَهُ «بابَ الخراف»، ويَدعونا للدُّخولِ مِنهُ لكَي نَجِدَ الخلاصَ، وتَكونَ لنا الحياةُ وافرةً (راجع يو10: 8-10). وكتبَ بِلِسانِ يُوحنَّا الرَّسولِ أنَّه جَعَلَ أمامَنا «بابًا مَفتوحًا»، لا يَقدِرُ أحَدٌ أنْ يَغلُقَهُ (راجع رؤ 3: 8)، هو بابُ السَّماء، وبابُ الكنيسَةِ المفتوحُ دائمًا.

لا أحدَ مِنَّا يَنسى كلامَ الطوباويِّ البابا يوحنَّا بولسَ الثاني في قُدَّاسِ بِدايةِ حَبريَّتِه[3]: «إفْتَحوا أبوابَكم، لا تَخافُوا، شَرِّعُوا أبوابَكم للمسيح!»، وهو صدًى لِنِداءِ المسيح: «لا تَخافوا! آمِنُوا بالله وآمِنُوا بي… لا تَضْطَرِبْ قلوبُكم ولا تَفزَعْ… أنا غلبتُ

العالم» ( يو 14: 1 و27؛ 16: 33).

وحدَهُ الإيمانُ يَنتزِعُ الخَوفَ منّا، كما حدَثَ للتَّلاميذِ حينَ هبَّتْ على البُحَيرَةِ عاصِفَةٌ وغَمَرَتْهمُ المياهُ وأَصبَحوا في خَطَر، فزَجَرَ يسوعُ الريحَ والمَوجَ فسَكَنا وعادَ الهدوء (لو 8: 22-25). في «سنَةِ الإيمان» نَحنُ مَدعوُّون لِنُشرِّعَ أَبوابَ قلوبِنا للمَسيحِ الذي يَزيدُنا إيمانًا ويُزيلُ خَوفَنا ويُهدِّئُ اضْطِرابَنا. يَقولُ البابا بندكتوس السادس عشر في عِظَةِ تَنصيبِه: «إنَّ الذي يَفتَحُ بابَ قَلبِهِ للرَّبّ، تَنفَتِحُ لَهُ، في هذه الصداقَةِ معَ الله، أبوابُ الحياةِ، ويَختَبِرُ الجَمالَ والحرِّيَّة». ثمَّ خَتَمَ بالنداء الصارِخِ للشبيبة: «افْتَحُوا أبوابَ قُلوبِكم للمسيح، فتَجِدُوا فيهِ الحياةَ الحَقَّ والرَّجاء!».

4. الإيمانُ هو، بالدَّرجَةِ الأُولى، حالُ كَينُونَةٍ معَ الرَّبّ، أي قرارٌ شَخصيٌّ بأنْ نَكونَ معه ونَعرِفَهُ بالعُمْق. فيَسوعُ دَعا تَلاميذَهُ إليه، لِيَكونوا مَعَهُ، بُغيَةَ إرسالِهم فيما بَعدُ، لإعْلانِ إنْجيلِهِ الخلاصيّ. كانُوا أوَّلاً تَلاميذَ ثُمَّ أَصبَحوا رُسُلاً (لو6: 13). لكَيْ نَعيشَ الإيمانَ، يَنبَغي أنْ نَكونَ دائمًا في حالَةِ تَتَلمُذٍ، أيْ «في الكينونَةِ معَ الرَّبّ». هذه الحالةُ تُمكِّنُنا منِ الإرتِدادِ المُتَجَدِّدِ إلى الرَّبِّ يسوع، ومِنْ إعادَةِ اكْتِشافِ الإيمان، ومِنْ أنْ نَكونَ شُهودًا للمسيحِ القائِمِ مِنَ المَوت، وقادِرينَ أنْ نَدُلَّ الناسَ، بِفَرَحٍ وحَماسٍ ومِصداقيَّةٍ، إلى «بابِ الإيمان». «الكينونَةُ معَ الرَّبّ» بالتتلمُذِ لَهُ تُولِّدُ فينا المحبَّةَ لَهُ، بلْ إنَّ مَحبَّتَهُ تَجتَذِبُنا وتُرسِلُنا في طُرُقاتِ الحياةِ كَيْ نُعلِنَ إنجيلَهُ لِجَميعِ شُعوبِ العالم (متى 28: 19). يسوعُ بِمَحبَّتِهِ يَجتَذِبُ إليه شُعوبَ الأرض، وهو، في كلِّ وَقْتٍ، يَدعونا ويَدعو الكنيسةَ، ويَعهَدُ إليها بإعلانِ الإنجيل، بِتَفويضٍ دائِمِ التَّجدُّد. أجل يقولُ بولسُ: «محبَّةُ المسيحِ تَستَحِثُّنا» (2 كو 5: 14).

هذه الحياةُ الشَّخصيَّةُ معَ اللهِ تَجلَّتْ جَماعيَّةً يَومَ العَنصَرَة، عندما جعَلَ الروحُ القُدُسُ الكنيسةَ جسَدًا يَحيا بالوَحدَةِ معَ المسيحِ القائِمِ مِن بَينِ الأموات، وبالشَّرِكَةِ بينَ المؤمنين، وأفاضَ على الكنيسَةِ مَواهِبَ أَهَّلَتْها للرِّسالَة. فانْطَلَقَتْ منْ إيمانِ أَفرادِها ووَحْدَةِ شَهادَتِها للقائِمِ مِنْ بَينِ الأموات. ونمَتْ باخْتِلاطٍ روحيٍّ بَينَ إيمانِ كلِّ شَخص: «أنا أُؤمن»، وإيمانِ الجماعَةِ: «نحنُ نؤمِن». هكذا صاغَتِ الكنيسَةُ إيمانَها مِنِ اعْتِرافِ الأشْخاصِ بِصيغَةِ العماد: «أنا أُؤمن»، وبِفَمِ الرُّسُلِ وخُلفائِهم الَّذينَ نَقلُوا إيمانَ الجماعة: «نحنُ نؤمن». هذا التوازنُ بينَ إيمانِ الأشْخاصِ وإيمانِ الجماعَة، يَدُلُّ على أنَّ هِبَةَ الإيمانِ تَنتَظِرُ جَوابَ الإنسان، واحتفالَ الجماعَةِ بهذا الجَواب.

 الإيمانُ يُكوِّنُ هَويَّتَنا المَسيحيَّة

 5. نحنُ جماعَةٌ تَثِقُ بالله ثِقَةً كامِلَة. هذا هو مَفهومُ الإيمانِ المسيحيِّ الذي نَقبَلُهُ هِبَةً مِنَ الله، عندما نَلتَمِسُها. أنْ نُؤمِنَ بالله يَعني أنَّنا نَثِقُ بِهِ ثِقةً كامِلَة، ونَتعَلَّمُ فَهمَهُ بِشَكْلٍ أفضَل، ونَقبَلُ إرادَتَهُ مِن دُونِ تَحفُّظ. الإيمانُ فضيلَةٌ تَنمو بالإصّغاءِ لِكَلامِ الله، وتُثبَّتُ بالرجاءِ وتَتَقوَّى، وتُصبِحُ صلاةً، وتَكتَمِلُ بالمحبَّة. لَيسَ الإيمانُ مَعرفَةً فَقَط، بلْ أَكثَرُ من ذلك، إنَّهُ اليَقين. هذا هو الإيمانُ الذي قادَ الأبرَصَ والمَنزوفَةَ والمُخلَّعَ والأعمى إلى يسوعَ طالبينَ الشِّفاء. هذا هو الإيمانُ الذي جعلَ الشُّهداءَ يَسيرونَ إلى الموت، والذي يَحمي المسيحيِّينَ مِنَ المَخاطِر، ويَجعلُهم صامِدِينَ في أرضِهم للشَّهادَة[4].

الإيمانُ الحقيقيُّ والسليمُ بالله يَقتَضي منَّا أنْ نُؤمِنَ بِيَسوعَ المسيح، ابنِ الله، لأنَّهُ هو الذي يُعرِّفُنا على حقيقةِ الله، كما قالَ هوَ نفسُه: «ما مِنْ أحدٍ رأى الله. الابنُ الوحيدُ الذي هو الله والذي في قَلبِ الله، هو الذي أَخبَرَ عنْهُ… فلا أَحدَ يَصلُ إلى الآبِ إلاَّ بي» (يو1: 18 ويو 14: 6). قالَ البابا بِنِدكتوس السادس عشر: «ما نُؤمنُ به مُهم. ولكنَّ الأهمَّ هو مَنْ نُؤمِنُ بِهِ». وقالتِ الطُّوباويَّةُ الأمُّ تريزا دي كالكوتا: «لا أستطيعُ أن أَتخيَّلَ اللهَ الآب. كلُّ ما أستطيعُ أنْ أراهُ هو يسوعُ المسيح»[5].

الإيمانُ مِنَ الكنيسَة وفيها

6. صَحيحٌ أنَّ الإيمانَ أَمرٌ شَخصيٌّ، لكنَّهُ لَيسَ مَسألَةً خاصَّة. إنَّنا نَتقبَّلُ الإيمانَ منَ الكنيسة، ونَعيشُهُ حسَبَ تَقليدِها الحيِّ وتَعليمِها. ألمؤمِنُ الفَردُ مَدعوٌّ لِيَقولَ: «نَحنُ نُؤمِنُ»، كما تَقولُ الكنيسة. الإيمانُ الذي لا نَتقاسَمُهُ أو نَتَشارَكُهُ إيمانٌ غَيرُ مَنطقِيّ. لا أحدَ يَستطيعُ أنْ يُؤمِنَ كيفما يُريد. لذلِكَ حدَّدَتِ الكنيسَةُ مَضمونَ الإيمانِ بِصِيَغٍ واضِحَة، لكَي نَتمكَّنَ منْ إعلانِ إيمانِنا معًا، والاحتفالِ بِهِ ليتورجيًّا، وعَيشِهِ عَمليًّا كَحَضارَةِ حياة. ألإيمانُ المُشتَرَكُ هو أساسُ وَحدَةِ الكنيسة. لا يَحُقُّ لأحَدٍ أنْ يَصوغَ الإيمانَ كما يُريدُ وعلى هواه[6].

الانتماءُ إلى الكنيسةِ، مِنْ أجْلِ أنْ يَكونَ اتِّحادًا كامِلاً بها، يَقتَضي، وفقًا للقانون الثامن من مَجموعَةِ قَوانينِ الكنائِسِ الشَّرقيَّة، ثلاثةً مُترابِطَة: الإقرارُ بِحقائِقِ الإيمانِ كما تُعلِّمُها الكنيسةُ(إعلانُ الإيمان)؛ والإقرارُ بالأسرارِ السَّبعَةِ التي أنشأَها الربُّ يسوعُ وقَبولُها(الاحتفالُ الليتورجيُّ بالإيمان)؛ والخضوعُ للسُّلطَةِ الكنسيَّةِ والقوانينِ والشَّرائعِ التي تُسنُّها(عيشُ الإيمان).

وبما أنَّ الليتورجيَّا هي قِمَّةُ التَّعبيرِ عن حياةِ الإيمانِ وعَيشِهِ في الجماعة، فإنَّها مَدرسَةُ الإيمان، وَفقًا للمَبدَأ القائِل: «قاعدةُ الصَّلاةِ قاعِدَةُ الإيمان». في مَدرسةِ الليتورجيَّا تَعَلَّمَ شَعبُنا إيمانَهُ وجَسَّدَهُ في الأفعالِ والمَسلَك، وبالليتورجيَّا عاش أبناءُ كنيسَتِنا وبناتُها وَحدَتَهم وتَضامُنَهم، وصَمَدوا في مُحيطاتِهم بالرَّغمِ منَ المصاعِبِ والمِحَن. إنَّنا، مِنْ أجْلِ هذه الغايةِ، نَحثُّهم مُجدَّدًا على المشاركَةِ في الاحتفالاتِ الليتورجيَّةِ ولاسيَّما ليتورجيَّا الأحد.

7. ويَتقوَّى الإيمانُ ببُعدِهِ الشَّخصيِّ والجماعيِّ من شُهودِ الإيمانِ الذينَ يَتركونَ للكنيسةِ نَموذَجًا حيًّا عنْ عَيشِ الإيمانِ بِتَنوُّعاتِ شهادَتِهم وحياتِهم. فالقدِّيسُ مارونُ عاشَ إيمانَهُ بالمسيحِ في العَراءِ بالنُّسْكِ والصلاةِ والتأمُّلِ في كمالاتِ الله. وتلاميذُهُ عاشُوا في هَدْيِه، فاستُشْهِد منهم ثلاثُمئةٍ وخَمسونَ حِفاظًا على وَديعةِ الإيمانِ في روحانيَّةٍ تَجسُّديَّةٍ مَيَّزَتِ اللاّهوتَ الأنطاكيّ. وهكذا جرى الموارنَةُ في الأمانَةِ للإيمان، فوُلِدَتْ كنيسةٌ معَ يُوحنَّا مارون البطريركِ الأوَّل، واضطُهِدَتْ مِنْ أجلِ إيمانِها، لكنَّها لم «تزوِّرْ» يَومًا أمانَتَها للإيمان. ولنا، في عصرِنا الحديثِ، مِثالُ الإخوةِ المسابكيِّين الثلاثة، فرنسيس وعبد المُعطي ورفائيل، الذين تَمسَّكوا بإيمانِهم حتَّى قَبِلُوا الشَّهادةَ سنة 1860. والقدِّيسُ شربل الذي عاشَ إيمانَهُ بِبطولَةِ الطاعةِ والعِفَّةِ والفَقر، وفي الانقطاعِ التامِّ عن العالَمِ والاتِّحادِ الكامِلِ بالله في محبَسَتِه. والقدِّيسُ نعمة الله الحردينيُّ الذي عاشَ إيمانَهُ مُتعمِّقًا في حقائِقِهِ اللاهوتيَّةِ، وعائشًا بمُوجَبِها، ومُعلِّمًا إيَّاها بالمَثَلِ والتَّعليم. والقدِّيسةُ رفقا عاشَت إيمانَها، بِمُشاركتِها في آلامِ الفادي. والطوباويُّ أبونا يعقوب عاشَهُ محبَّةً للقربانِ وللمتألِّمينَ والمرضى والمُعاقين. والطوباويُّ الأخ إسطفان عاشَ إيمانَهُ تحتَ نظَرِ الله الدائم: «الله يَراني».

ثمَّةَ شُهودُ إيمانٍ آخَرونَ تَنظُرُ الكنيسةُ في دَعوَى تَقديسِهم أمثالُ المكرَّمِ البطريرك الكبير إسطفان الدويهيّ، والمكرَّم الأب بشاره أبو مراد الباسيليّ المخلِّصيِّ من الكنيسةِ الملكيَّةِ الشقيقة، وخادِمِ الله الأب أنطونيوس طربَيه المارونيّ المريميّ، وخادِمِ الله البطريرك الياس الحويِّك رجلِ العنايَةِ الإلهيَّة، والمطران عبدالله قراعلي مؤسِّسِ الرهبانيَّتَينِ اللبنانيَّةِ والمريميَّة ومطران بيروت. هؤلاءِ يَتلألأونَ كالنجوم في سماءِ الإيمانِ المسيحيّ.

8. حشْدُ شُهودِ الإيمان، وسِواهم كثيرون، منَ الإكليروس والعلمانيِّين، يُواصلون، في حياتِهم الشخصيَّة والمؤسَّسات، الخطَّ الطويلَ منْ شُهودِ الإيمانِ بِدْءًا من العهدِ القديم. وتُعدِّدُ الرسالةُ إلى العَبرانيِّين بَعضَهم وتَختُمُ بالقول: «هؤلاءِ كلُّهم تَلقَّوا شهادَةً حسنَةً بِفَضلِ إيمانِهم» (عب 11). ويتواصلُ شُهودُ الإيمانِ في العهدِ الجديد، وفي مُقدِّمتِهم أمُّنا مريمُ العذراءِ التي بالإيمانِ تلقَّتْ كلمةَ الملاكِ وآمنَتْ بالبشارةِ أنَّها ستُصبِحُ أمَّ الله (لو1: 38). بالإيمانِ نفْسِهِ تَبِعَتِ الرَّبَّ في كِرازَتِه وظلَّتْ معهُ حتَّى الجلجلة (يو19: 25-27). بالإيمانِ ذاقَتْ أيضًا ثمارَ قِيامَةِ الربِّ يسوع.

وبالإيمانِ تَرَكَ الرُسُلُ كلَّ شيء لِيَتبَعوا المعلِّم (مر10: 28)؛ بالإيمان شكَّلَ التلاميذُ الجماعَةَ الأولى (أع 2: 42-47)؛ بالإيمانِ بذَلَ الشهداءُ حياتَهم؛ بالإيمانِ كرَّسَ رجالٌ ونِساءٌ ذواتِهم للمسيح، تاركينَ كلَّ شَيء؛ بالإيمانِ، على مَدى الأجيال، رجالٌ ونساءٌ مِنْ جَميعِ الأعمار، واسمُهم مكتوبٌ في سِفْرِ الحياة، اعتَرَفوا بجَمالِ اتِّباعِ الرَّبِّ يسوع (رؤ 7: 9 و13: 8) وأَعطَوا الشهادةَ لَهُ في عائلاتِهم ومِهَنِهم وفي الحياةِ العامَّةِ وفي كلِّ الخِدَم التي دُعُوا إليها.

9. هذه الكوكبةُ المجيدةُ منْ شُهودِ الإيمانِ تَنبَعُ مِنْ جُودَةِ اللهِ، الذي منه «كلُّ عطِيَّةٍ صالِحَة، وكلُّ مَوهبَةٍ كاملَةٍ» على ما يقولُ يَعقوبُ الرسول (يع 1: 7). وكما قال يُوحنَّا المعمَدان: «ليسَ لأحَدٍ أنْ يَأخُذَ شيئًا لم تَعطِهِ إياهُ السماء» (يو 3: 27). إنَّنا نُريدُ اليومَ معكم وفي عصرِنا الحديث، أيُّها الإخوة والأخوات، أنْ نُعلِنَ فِعلَ إيمانِنا الكبيرِ باللهِ الخالِقِ المُعطي الأعظَمِ في وَجهِ كلِّ مادِّيَّةٍ وكُلِّ إلحاديَّةٍ وكُلِّ تَسخيفٍ لله»، «غيرَ مُستَحينَ بِذلك، لأنّنا عالمِون على مَن اتَّكَلْنا ومؤمنونَ بأنَّهُ قادرٌ أنْ يَحفَظَ الوديعة» (2 طي 1: 12).

وفيما نقِفُ معَكم وقفةَ حَقٍّ وصِدْقٍ أمامَ الله، لا بدَّ لنا من قولٍ واضحٍ وجريء: إنَّ نقائصَنا موجودَةٌ وكبيرةٌ أحيانًا وخَطيرةٌ أيضًا، ويُسرِفُ البعضُ منّا بِتَبيانِها؛ فتَمَزُّقُنا الداخليُّ والتَّزمُّتُ والبُغضُ والحَسَدُ والحِقدُ والانتقامُ والانْكِماشُ، كلُّها شرورٌ ولا تُرضي الله، ولا يزالُ أمامَنا دربٌ طويلٌ نَسلكُهُ لِنُرضيَ إلهَنا رضىً لائِقًا.

ذُروَةُ مَجدِنا تَكمُنُ بالتِفافِنا حَولَ بَعضِنا البعض، ومؤازرتِنا بعضِنا لبَعض. وأنْ نَكونَ واحدًا فكرًا وقلبًا وروحًا. إنَّ التاريخَ لن يرحَمَ انقساماتِنا، واللهَ لن يَرتَضي أمورَنا إنْ بَقينا في أنانيَّاتِنا وتَشَرذُمِنا.

    أزمةُ الإيمان

   10. نَشهَدُ، في عالَمِ اليومِ، أزمَةً إيمانيَّةً تَظهَرُ في مَشهَدَينِ مُتناقِضَين: الأوَّل، تَراجُعٌ عميقٌ في الإيمان، وتطُرُّفٌ في التديُّن؛ والثاني، نَفْيٌ لِوُجودِ الحقيقةِ أو تَنكُّرٌ لها ولِمعنى الحياة، واحتكارٌ للحقيقةِ معَ ضَمانِ سَعادَةِ الإنسان. هذهِ الأزمةُ مسَّتْ أشخاصًا كثيرينَ وفي قطاعاتٍ كبيرةٍ من المجتَمَع، ولاسيَّما في الممارسَةِ الدينيَّةِ وقَبولِ حقائِقِ الإيمانِ ووصَايا اللهِ وتَعليمِ الكنيسة، وفي مَفهومِ سِرِّ الزواجِ المقدَّس، وقُدسِيَّةِ الحياةِ الزوجيَّة، ودَورِ العائلةِ ورسالتِها كمَدرسَةٍ أُولى طبيعيَّةٍ للقِيَمِ الإنسانيَّةِ والاجتماعيَّة، وككنيسةٍ بَيتيَّةٍ تُعلِّمُ الصلاةَ وتَنقُلُ الإيمانَ، وكذلكَ في أداءِ الواجبِ الرّوحيِّ وشَهادةِ المَثَلِ والحياة. المسيحُ الرّبُّ لا يُريدُ أنْ يَفسُدَ الملحُ، ويُخفَى النور (راجع متى 5: 13-16) ولا أنْ تَنقُصَ الخميرةُ في العجينِ أو تتَحجَّر (راجع متى 13: 33-35).

هذه الأزمةُ الإيمانيَّةُ ناتجةٌ عن أعداءِ الإيمانِ وتَحدِّياتِ العَصر، نَذكُرُ بعضَها، لكي نُدرِكَ الأخطارَ، ولكي نُواجِهَها بِعَمَلٍ راعويٍّ مُكثَّفٍ ومُتَجدِّدٍ في خَطِّ الكِرازةِ الجديدةِ بالإنجيل، موضوعِ جمعيَّةِ سينودُسِ الأساقفَةِ الرّومانيِّ التي انْعَقَدَتْ في تشرين الأوّل 2012.

أولاً، نسيانُ اللهِ لدرجةِ إضاعَتِه أو وَضعِه جانبًا

11. إنَّ نَفيَ وُجودِ الحقيقةِ أو الّتنَكُّرَ لها، يُؤدّي، حتمًا، إلى نَفْيِ وجودِ مَعنًى نهائيٍّ للحياة. والنّفْيُ هذا يَتَمَحْوَرُ حَولَ أبعادٍ ثلاثة: ألاعتقادُ بأنَّ الحقيقةَ العلميَّةَ وَحدَها هي الحقيقةُ المفيدَةُ للإنسان، وبأنَّ الإنسانَ لا يَحيَى من الأفكارِ المُطلَقَةِ بل ممَّا يُفيدُه لِوُجودِه، وبأنَّ مُعضِلاتِ الوجودِ البشريِّ، وخُصوصًا الشّرَّ الذي يَستفْحِلُ في العالم، تُؤدِّي الى انتفاءِ فِكرةِ الخَيرِ الفاعلَةِ في الوجود. كلُّ ذلكَ يَحمِلُ الإنسانَ إلى نِسيانِ الله، كما يَنسى كثيرًا  منَ الأمورِ التي تَعلَّمَها أو اطَّلَعَ عليها، فيَصيرُ الإيمانُ بالله مَنسيًّا في دفاترِ التعليمِ المسيحيّ، أيامَ الطفولَةِ والحداثَة، ويَستَغْني عنهُ في حياتِهِ اليَوميَّةِ بسبَبِ الانشغالات، أو كثْرةِ المشاريعِ والاهتماماتِ بأمورِ الحياةِ العديدة.

لكنَّ الواقعَ يَكشِفُ للإنسانِ أنَّه لا يَستطيعُ أنْ يَعيشَ من دونِ الله، إذْ في اكْتفاءِ الإنسانِ بِحُدودِ هذا العالمِ انْتِقاصٌ منْ كرامتِه. فهوَ بِكيانِهِ الداخليِّ وبِكُلِّ أَوجُهِ وُجودِهِ، يَتوقُ إلى ما هوَ أسمى ولا يَكتَفي بحدودِهِ الواقعيَّة. هذا ما أَظهَرَتْهُ كثيرٌ من الفلسفاتِ عن الإنسانِ بِقَولِها إنَّه «مشروعُ وُجود»، وإنَّه «كائنٌ للموت»، بِمَعنى أنَّه يَعرِفُ ذاتَه فانِيًا، وبِمَعرفَتِه هذه يُصارِعُ ضِدَّ المَوتِ لأنَّه يُحبُّ الحياة. أوليسَ العالَمُ مَجالَ تأكيدٍ أنَّ الإنسانَ لا يَرتَضي إلاَّ بعالَمٍ كامِل، عالَمٍ يَتوقُ إلى تحقيقِه؟ كلُّ ذلك يُذكِّرُنا بما قالَهُ القدِّيسُ أوغسطينُس يَومًا: «إنَّ وَطنًا يُزهِرُ فيه ميلادٌ ومَوتٌ هو وَطَنُ الأَلم. الناسُ يَبحَثونَ عن السعادةِ في وَطَنِ الألم وعن الخُلودِ في وَطَنِ الموت.  يأتي الإنسانُ إلى العالمِ ويَقولُ: أُريدُ الحياة. ولا أحدَ يَشاءُ أنْ يَموت. وعلى كُرهِهِ للموت، هو مُكرَهٌ على أنْ يَموت. الإنسانُ يَهوَى الحياةَ بِكُلِّ طاقاتِه، لكنَّ الحياةَ تَخطَفُ الحياة».

مِنَ القباحةِ أنْ يُضيِّعَ الإنسانُ الله، والأكثرُ قباحَةً ألاَّ يَهتمَّ بالبحثِ عنهُ والاغتناءِ به. يقولُ الربُّ لِمُوسى: «إسمَعْ يا شعبي: إنَّ الربَّ إلهَنا هو ربٌّ واحد. فأَحبِبِ الربَّ إلهَكَ بكلِّ قلبِكَ وكلِّ نفسِكَ وكلِّ قُوَّتِكَ… واحْذَرْ أنْ تَنساه… ولْتَكُنْ هذه الكلماتُ في قلبِكَ ورَدِّدْها على بَنيكَ وكلِّمْهم بها… واعْقِدْها علامةً على يدِكَ، ولتَكُنْ عصائبَ بين عَينَيك. واكتُبْها على دعائمِ أبوابِ بيتِكَ… لا تسيروا وراءَ آلِهةٍ أُخرى…» (تث 6: 3-19). من هُنا يكونُ وجودُ الإنسانِ مَنقوصًا إذا أمالَ أُذُنَيهِ عن سَماعِ الصوتِ الداخليِّ الذي يقولُ له: «تعالَ إلى الحياة».

ثانيًا، الإلحادُ النَّظريُّ والعَمَليّ

12. يَرتدي الإلحادُ المُعادي للإيمانِ وَجهَين: نَظريًّا وعمَليًّا.

الإلحادُ النَّظريُّ هو إلحادُ الفلاسفةِ مِثْلَ نيتشِه وماركس وسارتر وفْرُويدْ وكامو وغيرِهم الذين نَعَوا الدّينَ واللهَ، مُعتبرينَ التديُّنَ إمَّا حالةً طفوليَّةً عندَ الإنسانِ الخائِفِ، فاختَرَعَ لَهُ أبًا إلهًا يَحميه؛ وإمّا أفيونًا يُخدِّرُ البشرَ واعدًا إيَّاهُم بحياةٍ أُخرى غيرِ مَوجودَة. هؤلاءِ وَضَعوا الدّينَ في حُكمِ الزوال ووضَعُوا الإلهَ في دَرَكِ الوجود، لا حاجَةَ بنا إليه ولا ضرورةَ له ولا قيمَة. وحدَهُ الإنسانُ هو سيِّدُ ذاتِهِ وسيِّدُ العالمِ وسيِّدُ الكلّ. ومِن هذا الفِكرِ الإلحاديِّ والمَحض بَشريٍّ نشأتْ ثَوراتٌ وأحزابُ وأَنظمَةٌ سياسيَّةٌ واجتِماعيَّةٌ حكَمَتْ بَعضَ بُلدانِ العالَمِ عَشراتِ السِّنينَ كالشيوعيَّة والماركسيَّة.

أمَّا الإلحادُ العمليُّ فيَزيدُ حِدَّةً وخُطورةً عن الإلحادِ النَّظريّ، وهو، كما وَصَفَهُ أَحَدُ المُفكِّرينَ، «موتُ الله في الضَّمير». يَتجلَّى ذلك بالتَّنكُّرِ للشَّرائعِ الأخلاقيَّة، بخاصَّةٍ الطبيعيَّة، التي تَهدي الضَميرَ الإنسانيَّ إلى الحقّ. وهذا الإلحادُ يُصيبُ حياةَ الإنسانِ اليَوميَّة، وفِعلَهُ المباشَرَ في الحياة. وقدْ ظَهرَ في ما مَضى، خُصوصًا في الحربَينِ العالميَّتَينِ، في فَظائِعِ الموتِ الذي انتَشَرَ مِنْ دُونِ رَحمَة، إلى حدِّ أنَّ الكثيرينَ أَطلقُوا مَقولَةَ «موتِ الله»، تَماشيًا مع صَرخَة نيتشِه الشَّهيرة: «لقد ماتَ الله ونحنُ قَتلناه». ويَظهَرُ الإلحادُ العَمَليُّ في حالةِ البعضِ من الناس العائِشينَ مُستغْنِيينَ عن الله، كأنَّ اللهَ لا نفْعَ منهُ في حياتِهم، ولا ضرورةَ لِوُجودِه. يَذهَبون إلى أعمالِهم ويُواجِهونَ مَشقَّاتِ المُجتمَعِ وكلَّ مَطبَّاتِ الحياةِ بِذِهنيَّةٍ باردةٍ أو بِضحكَةٍ ساخِرةٍ أو بِنَظرَةٍ جامدةٍ لا تَرى أبدًا ما لا يُرى بالعين ولا يُلمَسُ باليد وما لا يُسمَعُ بالأُذُن.

13. ثمَّةَ ظاهراتٌ إلحاديَّةٌ تَتمثَّلُ في الدَّهريَّةِ والذِّهنيَّةِ الرأسماليَّة.

تُبشِّرُ الدَّهريَّةُ بأنَّ هذا الدّهرَ مُستَقِلٌّ بِوجودِه عنْ أيِّ مَرجعيَّةٍ خارجَة عنه، وأنَّ كلَّ شيءٍ كامِنٌ في مَجالاتِ الوجودِ الحيَويِّ، فلا وجودَ لِحياةٍ إلاَّ هذهِ التي هيَ الآنَ، ولا عالَمٍ غيرِ هذا العالَم. ورجاءُ الإنسانِ مَسكوبٌ في هذا الدَّهر، وما يُسمَّى ملكوتَ الله أو الحياةَ الأبديَّةَ ما هوَ، في الحقيقةِ، إلاَّ ملكوتُ الإنسانِ الذي يُحقَّقُ على أرضِ واقِعِهِ الإنسانيّ. وإذا كانَ لا بُدَّ منْ إيمان، فلا وجودَ لإيمانٍ غيْرِ إيمانِ الإنسانِ بقُدرَتِهِ وطاقاتِه.

أمَّا الذِّهنيَّةُ الرأسماليَّةُ فتَربِطُ مَعنى وُجودِ الإنسانِ بالإنتاجِ المادِّيّ. فيَصيرُ الإنسانُ مُجرَّدَ «مُستهلِكٍ»، طامِحٍ إلى الكَسْبِ والتملُّك. وهكذا يَغَدو الإنسانُ «غُولاً لا يَشبَع»، لاهثًا وراءَ المالِ والمادَّةِ كي يَكسِبَ أكثرَ ويَزيدَ مُلكيَّتَهُ ومُقتناه. هذه الذِّهنيَّةُ المادِّيَّةُ رَبَطَتِ السَّعادَةَ بالمُقتَنى، فصارَ الشيءُ مُهمًّا بِقَدَرِ ما يَنفَعُ، وصارَ الإنسانُ يُقيَّمُ انْطِلاقًا ممَّا لَدَيهِ لا ممَّا هو. هذه النَّظرةُ يَعكِسُها في كثيرٍ من الأحيانِ مُجمَلُ إعلاناتِ عَصرِنا التي تُبشِّرُنا بِسعادةٍ أكثرَ في امتلاكِ هذا المُنتَجِ أو ذاك. هذا الميلُ كان قد حذَّرَ منهُ يسوعُ المسيح بالقَول: «لا يُمكِنُكم أن تَعبُدوا ربَّين، لأنَّه إمَّا أنْ تُبغِضوا الواحدَ وتُحبُّوا الآخر، وإمَّا أنْ تلزَموا الواحدَ وتَزدَروا الآخَر. لا تَستطيعون أنْ تعبُدوا اللهَ والمال» (متى 6: 24). وقالَ، بعدَ ذلك، القدِّيسُ بولس: «محبَّةُ المالِ هي أصلُ كلِّ الشرور» (1طي 6: 10).

ثالثًا، العقلانيَّة

14. تيَّارُ العقلانيَّةِ يُعطي الأولويَّةَ الحَصريَّةَ للعَقلِ وعَظَمَتِه، وقد نادى بِهِ فلاسفةٌ كبارُ مِثلُ كانْط وغَيره. لا أحدَ يُنكِرُ أهمِّيَّةَ العقلِ البشريِّ الذي هو عَطِيَّةٌ من الله، تُشرِكُهُ في أنوارِ الحكمَةِ الإلهيَّة. لكنَّ العقلَ والعِلْمَ لا يَستطيعانِ فَهْمَ ما يَتخطَّى الحواسَّ الخارجيَّةَ والحسَّ الدَّاخليّ، مِثلَ سِرِّ الله وسِرِّ الإنسان، اللّذينِ يَحتاجانِ إلى نورِ الإيمان، إلى الوحيِ الإلهيّ. فالإثنان هما مِن مَصدَرٍ واحدٍ هو الله. الإلهُ نفسُه الذي يُوحي أسرارَهُ ويَهَبُ الإيمان، أنزَلَ في الروحِ البشريَّةِ نورَ العقل. فالله لا يستطيعُ إنكارَ ذاتِه، والحقُّ لا يَستطيعُ مُناقضةَ الحقّ. العقلُ والإيمانُ يَتعاضَدان، حسَبَ قَولِ القدِّيس أوغسطينس: «أؤمنُ لأفهَمَ، وأفهمُ لأؤمن»[7].

استهلَّ الطوباويُّ البابا يوحنَّا بولسُ الثاني رسالتَهُ العامَّة: الإيمانُ والعقل، بالقَول: «الإيمانُ والعقلُ هما بِمثابَةِ جَناحَينِ يُمكِّنان الرّوحَ البشريَّة من الإرتقاءِ إلى تأمُّلِ الحقيقة»[8]. يرى القدِّيسُ توما الأكوينيُّ «أنَّ الطبيعَةَ، وهي موضوعُ الفلسفة، بإمكانِها أنْ تُسهِمَ في فَهْمِ الوَحْيِ الإلهيّ. الإيمانُ لا يَخشى، إذن، العقلَ، بل يَلتَمِسُه ويَثِقُ به. وكما أنَّ النعمَةَ تَفترِضُ الطبيعَةَ وتُكمِّلُها، كذلكَ الإيمانُ يَفتَرِضُ العقلَ ويُكمِّلُه[9]. إنَّ كلَّ بَحْثٍ عِلمِيٍّ يَتبَعُ القواعِدَ الأخلاقيَّةَ لنْ يَكونَ أبَدًا مُناقضًا للإيمان: فالواقعاتُ الحسِّيَّةُ وأسرارُ الإيمانِ تَجِدُ مَصدرَها في اللهِ نفسِه»[10].

   رابعًا، الراديكاليَّة

   15. في الرّاديكاليّةِ تيَّارانِ مُتعارضان: تيَّارٌ يَعتبِرُ أنَّ الدِّينَ يَتسبَّبُ بالعُنفِ والحَرْب. فيَعمَلُ إمَّا على إلغائِه وإمّا، أقلَّهُ، على حَصْرِه في مساحَةٍ داخليَّةٍ وخاصَّة، وكأنَّهُ عبادةٌ فرديَّةٌ داخلَ المنزلِ وخارجَ الحياةِ الأخلاقيَّة، مع الادِّعاءِ بأنَّ الدولةَ وَحدَها تَستطيعُ التَّشريعَ حَولَ شَكلِ التَّعبيرِ الخارجيِّ عن الدين. هذه تُسمَّى «العلمانيَّةَ السلبيَّةَ أو الإيديولوجيَّة».

وتيَّارٌ آخَرُ راديكاليٌّ هو الأصوليَّة، يَعتقِدُ أنَّ الحقيقَةَ التي يُؤمِنُ بها، بِحَسَبِ ما يُفسِّرُها هو، هي الحقيقةُ المطلَقَةُ التي يجبُ أن تَفرِضَ ذاتَها حقيقَةً نهائيَّة. الأصوليَّةُ تُريدُ فَرْضَ دِينٍ واحِد، معَ إلغاءِ الآخَرِ المُختلِف[11].

أهمِّيَّةُ لبنانَ أنَّهُ يَجمَعُ بينَ البُعدِ الدِّينيِّ في وُجوهِهِ الشَّخصيَّةِ والقانونيَّةِ والاجتماعيَّة، والاعْترافِ بالتعدُّدِيَّةِ والتنوُّعِ في هذا البُعد. وفيما يَفصِلُ بين السياسةِ والدِّين، فإنَّهُ يُؤكِّدُ الاحترامَ المُتبادَلَ بينَهما، والتمييزَ الواضِح، والتعاوُنَ بِتناغُمٍ في سبيلِ الخيرِ العام، كما هو مُفصَّلٌ في الدّستور. هذا ما يدعو إليه البابا بندكتوس السادس عشر في الإرشادِ الرسوليِّ: «الكنيسةُ في الشَّرقِ الأوْسَط، شركةٌ وشهادة» (الفقرة 29).

16. فَضْلاً عن أعداءِ الإيمان، لا بُدَّ من التنبُّهِ إلى الخطايا ضدَّ الإيمان، وبالتالي ضدَّ الوصيةِ الأولى وهي: «أنْ تُحِبَّ الرَّبَّ إلهَكَ من كلِّ قلبِكَ، وكلِّ نفسِكَ، وكلِّ قُدرتِك» (متى22: 37؛ تث6: 4). يُعدِّدُ كتابُ التعليمِ المسيحيِّ للكنيسةِ الكاثوليكيَّة هذه الخطايا وهي:

الشكُّ الإراديُّ الذي يُهمِلُ الإيمانَ أو يَرفُضُ ما يُوحيه اللهُ وتُعلِّمُهُ الكنيسة؛ والشكُّ غيرُ الإراديِّ الذي يَعني التردُّدَ في الاعتقاد، وصعوبَةَ التغلُّبِ على الاعتراضاتِ على الإيمان أو الخوف المتأتِّي من غموضِه.

الجحودُ، هو رفضُ الحقيقةِ الموحاةِ أو رفْضُ قَبولِها. كما هو أيضًا نِكرانُ هذه الحقيقة، أو الرّفضُ الكامِلُ للإيمانِ المسيحيّ، أو رَفضُ الخضوعِ للسلطَةِ الكنسيَّةِ العُليا.

اليأسُ، حين ينقطِعُ الإنسانُ عن التَّرجِّي من اللهِ خلاصَهُ الشَّخصيَّ والعونَ لِبلوغِه، أو المغفرةَ لِخطاياه.

اللامبالاةُ هي إهمالُ الواجبِ الدينيِّ أو تَجاهلُ المبادرةِ الإلهيَّة.

الفتورُ هو التردُّدُ في الاستجابَةِ للمحبَّةِ الإلهيَّة.

الحقدُ على اللهِ والكنيسةِ لأنَّهُ يُحرِّمُ الخطايا، وَفْقًا للشريعَةِ الإلهيَّة[12].

الفصل الثاني

مساحاتُ الشَّهادةِ المسيحيَّة

رسالَةٌ من عَلُ

17. يَقتَرِنُ الإيمانُ بالشَّهادةِ المسيحيَّةِ التي هي جزءٌ أساسيٌّ من جوهَرِ الكنيسةِ ورِسالتِها. فالمسيحيُّون هم، قبْلَ كلِّ شيءٍ، شُهودٌ للمسيح، الذي ماتَ وقام لِفداءِ الجنْسِ البشريِّ وخَلاصِ كُلِّ إنسان. ما يَعني أنَّهم شُهودٌ لإنجيلِه ولِمَحبَّتِهِ اللاّمتناهية، على ما أوصى الربُّ يسوعُ المسيحيِّينَ الأوَّلينَ قُبَيلَ صُعودِه إلى السماءِ وحُلولِ الروحِ القدُسِ علَيهم، يومَ العنصرة: «ستنالون قوَّةً بِحلولِ الروحِ القدُس، وتكونون لي شُهودًا في أورشليمَ وكلِّ اليهوديَّةِ والسامرة، وحتَّى أقاصي الأرض» (أع 1: 8).

في ضوءِ هذا التكامُلِ بين الإيمانِ والشَّهادَة، بحيثُ إنَّ «الإيمانَ يَعمَلُ بالمحبَّة» (غل 6:5)، أكَّدَ البابا بندكتوس السادس عشر في الإرشادِ الرسوليّ: «الكنيسةُ في الشَّرقِ الأوسَط، شركةٌ وشَهادَة» أنَّ «الحضورَ المسيحيَّ في البلدانِ البيبليَّةِ الشَّرق أَوسَطيَّةِ يَتَخطَّى بكثيرٍ الانتماءَ السوسيولوجيَّ إليها، أو النجاحَ الاقتصاديَّ والثقافيّ، بل يتَّخِذُ دفعًا جديدًا من ماويَّةِ البدايات، ومن الإرسالِ الإلهيِّ للكِرازةِ بالإنجيل(مر 16: 15)، لكي تُصبِحَ كلمَةُ اللهِ روحَ الحياةِ المسيحيَّةِ وأساسَها»[13].

ويَعرِضُ قداستُه في هذا الإرشادِ الأُسُسَ اللاهوتيَّةَ للشَّهادَة، وهي: التعمُّقُ في كلمةِ اللهِ كما هي في الكتابِ المقدَّس، والمشاركةُ في الاحتفالاتِ الليتورجيَّةِ – والتي لها أهمِّيَّتُها الخاصَّةُ عند الموارنةِ؛ ما يُفسِّرُ تعلُّقَهم بها حضورُ لبنانَ الدائم في ضمائِرِهم في لبنانَ وبلادِ الانتشار – وفي الحياةِ الأسراريَّةِ، معَ التركيزِ على أسرارِ المعموديَّةِ والمَيرون، والإفخارستيَّا والتَوبة، فتعزيزِ الصلاةِ والحجِّ الدينيِّ في إطارِ زياراتٍ تُقويَّة[14]. ثمَّ يَعرِضُ مِساحاتِ الشَّهادةِ المسيحيَّة ولاسيّما: الكرازةَ بالإنجيل، والمنظَّماتِ والمؤسَّساتِ الرسوليَّة[15]، وخدمَةِ المحبَّةِ الاجتماعيَّة[16].

18. نحنُ نُدرِكُ أنَّ حضورَ المسيحيِّينَ في بلدانِ الشَّرق الأوسَط، هو للشَّهادةِ والخدمَةِ والرّسالة. فلا هجرةَ ولا خَوف، وبخاصَّةٍ لا تَقوقُعَ ولا ذَوَبان. فالتَّقَوقعُ يُلغي رسالتَنا، والذوبانُ يَقضي على هويَّتِنا[17]. وينبغي أنْ يَكونَ هذا خِيارًا شخصيًّا وجماعيًّا. ففي هذه المنطقةِ من العالَمِ تَجسَّدَ ابنُ الله، يسوعُ المسيح، وأسَّسَ الكنيسةَ جسَدَهُ لكي يُواصِلَ عملَهُ الخلاصيَّ بِواسطتِها. وزَرعَها في هذا الشَّرق، كما زُرعَ صَليبُ الفداء. ولذا، ما مِنْ أحدٍ يَستطيعُ أنْ يَقتَلِعَ الكنيسةَ من الشَّرق، لأنَّ الله زرَعَها. ويبقى نَهجُها نَهجَ حبَّةِ الحنطَةِ، أي المَوتَ والقيامة.

الوجودُ المسيحيُّ اليومَ في الشَّرقِ الأَوسَطِ ضائِعٌ، باحِثٌ عن ذاتِهِ وَسطَ ظُلماتِ العنفِ والحرب، وهو ضرورةٌ لا غِنى عنها، لكي يَشهَدَ لكرامةِ الإنسان وهويَّتِهِ ورسالتِه، ولِتَكامُلِهِ كَقيمةٍ مُضافَةٍ معَ الآخَرِ أيًّا كان دِينُه أو عِرقُهُ أو وَضعُهُ أو مُستواه؛ ولكي يَعمَلَ على تَعزيزِ هُويَّةِ كلِّ إنسانٍ وحُقوقِه الأساسيَّة؛ ولكي يَشهَدَ بالتالي للإنسانِ – الإلهِ يسوعَ المسيح، الذي أعادَ لكلِّ إنسانٍ كرامَتَهُ ومَعنى وُجودِه.

إنَّ وجودَنا المسيحيَّ في بلدان الشَّرق الأوسَطِ يَرقى إلى ألفَي سنة، وقد غذَّى تاريخَها وثقافَتَها وحضارَتَها بالقِيَمِ الإنجيليَّةِ طيلةَ هذه السنوات. فيَنبغي أنْ نُمارِسَ فيها كلَّ حقوقِ المواطَنَةِ الأصيلَةِ والأصلِيَّةِ وواجباتِها. وقد عمِلْنا فيها على تعزيزِ التَّعدُّدِيَّة، وتجنُّبِ الأحاديَّةِ التي غالبًا ما تُؤدِّي إلى التسلُّطِ والانغلاق. وساهَمْنا في نَقْلِ قِيَمِ الحداثَةِ إليها، وفي قِيامِ حَركاتِ التحرُّرِ من الانتدَاب، وفي نشوءِ الأحزابِ السياسيَّةِ الكبيرة، وبناءِ الدُّوَلِ الحديثةِ التي حمِلَ فيها المسيحيُّونَ مَسؤوليَّاتٍ عامَّةً عُليا، في كلٍّ من مِصرَ وسورية والعراق.

19. من صَميمِ الثقافَةِ المسيحيَّةِ السَّعيُ إلى السلام: «طوبى للسَّاعينَ إلى السَّلام، فإنَّهم أبناءَ الله يُدعَون» (متى 5: 9). هذا السَّعيُ يَعني تعزيزَ العدالَة، لأنَّ السَّلامَ ثَمرتُها (إش 32: 7)، والعمَلُ من أجْلِ إنماءِ الشَّخصِ البشريِّ والمُجتمع، فالإنماءُ هو الاسمُ الجديدُ للسَّلام[18]. إنَّ للمسيحيِّين في لبنانَ وبلدانِ الشَّرقِ الأوسَطِ تاريخًا على هذا الصَّعيد.

لكنَّ السَّلامَ الدائِمَ والكامِلَ لا يأتي إلاَّ من الله. ألربُّ يريدُ البشرَ «صانعي سلام» (متى 5: 9). هذه الإرادةُ عبَّرَ عنْها اللهُ باختيارِهِ أرضَ الشَّرقِ الأوسَطِ مَهدَ الرسالات، ومكانَ تَجسُّدِ ابنِهِ الذي عاشَ ظُروفَ هذه المنطقَةِ وآلامَها، وشاركَها قِيَمَها وغِناها الروحيَّ والفكريَّ والإنسانيّ، من أجْلِ أن يُشرِقَ نورُه على الدّنيا والمُقيمينَ فيها، كما يُشرِقُ نورُ الشَّمسِ من الشَّرق. لذلك نحنُ نُؤمِنُ أنَّ مَكانَ «تَجسُّدِنا» هو مكانُ الإشراق، وأنَّنا مَغروسونَ في الشّرقِ لكي نُساهِمَ في تَحقيقِ مَشروعِ الله، فيَعرِفَ الشّرقُ هويَّتَهُ الحقَّة. والمسيحيُّون المَشرقيُّونَ مَدعوُّونَ إلى التمسُّكِ بأرضِهم لأنَّها مكانُ تَجسُّدِهم، ومكانُ تَعبيرِ الله عن محبَّتِهِ لهم. يَتمسَّكون بأرضِهم لأنَّهم سُفراءُ رسالةٍ نَبيلة، هي رسالةٌ من الله لا من صُدفَةٍ أو قَدَرٍ مَحتوم.

الموارنةُ والنَّهضةُ العربيَّة

20. بما أنَّ الكنيسةَ البطريركيَّةَ المارونيَّةَ وَحدَها، نشأَتْ في العصْرِ العربيِّ، مُتزامِنَةً مع الدعوةِ الإسلاميَّة، فإنَّها تَعتبِرُ نفسَها مُلتزمَةً العيشَ مع المُسلمين، وصاحبةَ خِبرةٍ واسعةٍ فيه، ما جعلَ أبناءَها شُركاءَ أصيلينَ في إحياءِ الحضارةِ العربيَّةِ المسيحيَّةِ – الإسلاميَّةِ ونَهضتِها. فكتابُ «الهُدى» الذي استَعمَلَهُ الموارنَةُ مَرجِعًا روحيًّا وقانونيًّا لهم حتَّى المجمَعِ اللبنانيِّ المُنعَقِدِ سنة 1736، قد ترجمَهُ المطران داود المارونيُّ من السريانيَّةِ إلى العربيَّةِ سنة 1059. هذا يعني أنَّ الموارنةَ تَبنَّوا اللغةَ العربيَّةَ باكرًا، إلى جانبِ السّريانيَّة، واستَعمَلوها في شؤونِهم الرّوحيَّةِ والثّقافيَّة، كما استَعمَلوا الخطَّ السّريانيَّ لِكتابةِ اللّغةِ العربيَّة، وهو مَعروفٌ بالكرشونيّ، في كتبِهم الليتورجيَّة. وكتَبوا بالعربيَّةِ الدّراساتِ والمقالاتِ اللاّهوتيَّة والرّوحيَّةِ والعلميَّة والأدبيَّة، التي كوَّنَتْ نُواةَ الفكرِ المسيحيِّ العربيّ. وها المطرانُ جبرائيل ابنُ القلاعيِّ اللّحفديِّ الذي عادَ من روما إلى لبنان سنة 1493، قد تركَ لنا مؤلَّفاتِهِ المتنوِّعَةَ في اللغةِ العربيَّة.

21. وبعدَ تأسيسِ المدرسةِ المارونيَّةِ في روما سنة 1584، وعى خرِّيجوها دورًا أساسيًّا مُزدوجَ الأبعاد: نَقْلَ تُراثِ الغربِ إلى لسانِ الشّرق ونَقْلَ تُراثِ الشَّرقِ إلى لسانِ الغرب. ومن أبرز مَنْ لَعِبُوا هذا الدورَ  جبرائيلُ الصهيونيُّ(1577-1648) الذي أصبح رئيسًا لدائرةِ اللّغاتِ الشَّرقيَّةِ في المعهدِ الملكيِّ بباريس، وأدخَلَ الحروفَ السِّريانيَّةَ والعربيَّة في أوروبّا صبًّا وطباعَة؛ وإبراهيمُ الحاقلانيّ(1605-1664)، والمطرانُ يوسف السمعانيّ(1687-1768)، حافظُ المكتبةِ الفاتيكانيَّةِ التي أغناها بالمخطوطاتِ العربيَّةِ والسّريانيَّةِ وسواها من اللّغاتِ الشّرقيَّة، الذي ترأَّسَ المجمَعَ اللبنانيَّ(1736) مُوفَدًا بابويًّا. وكان لهذا المجمَعِ أثَرٌ كبيرٌ في حياةِ الكنيسةِ المارونيَّةِ الثقافيَّة، إذْ أقرَّ فَتْحَ مدارسَ في القرى والمدُن، وألزَمَ الأهلَ بإرسالِ أولادِهم إليها لاقتباسِ العلم. والبطريركُ يوسف إسطفان(1729-1793) الذي أسَّسَ مَدرسَةَ عينَ ورقة، أمَّ المدارسِ المسيحيَّةِ في الشَّرق. وسبَقَ ذلك تأسيسُ مَطبعَةِ دَيرِ مار أنطونيوس قزحيا سنة 1585 بالحرفِ الكرشونيّ، وتأسيسُ أوَّلِ مَعهدٍ إكليريكيٍّ للموارنة في دَيرِ سيِّدةِ حَوقا سنة 1624على يد البطريرك يوحنَّا مَخلوف، ثمَّ كانَتْ أوَّلُ مَطبعَةٍ بالحرْفِ العربيِّ في حلب سنة 1702 على يدِ البطريرك دبَّاس والثانية في دير مار يوحنَّا الخنشاره على يد الشمَّاس عبدالله زاخر.

22. وهكذا، ابتداءً من القرنِ السابعَ عشَر، كان الدورُ الأساسيُّ الذي قامَ به الموارنةُ في تاريخ الثّقافةِ العربيَّة، وبخاصَّةٍ مع المطران جرمانوس فرحات(1670-1732)، والخوري بطرس التولاويّ(1657-1746) وغيرِهما من أمثالِهما. هؤلاءِ أَطلقُوا أُسُسَ نَهضَةٍ شاملَةٍ حافظَتْ على الثّقافَةِ العربيَّة، وأحيَتْها وأعادَتْ إليهَا مكانَتَها الحضاريَّةَ في وجْهِ حملَةِ التتريكِ المُنتشِرَةِ آنذاك. هذا فضلاً عن كتاباتِ المكرَّمِ البطريرك العلاَّمة إسطفان الدويهيّ(1630-1704) في شتَّى الحُقول. هكذا التزَمَ الموارنَةُ العُمقَ العربيَّ ثقافةً، واللّغةَ العربيَّةَ أداةَ تَعبيرٍ أساسيَّةٍ وطوَّروها،  وأَسهَموا، معَ سِواهم من المسيحيِّين، مِن مُختَلَفِ الكنائس، ومن الأدباءِ اللبنانيِّينَ، إسهامًا أساسيًّا في تَحقيقِ النَّهضةِ العربيَّةِ الثانيةِ في القرنِ التّاسعَ عشر[19]. وما زالَ للمسيحيِّينَ دورٌ رياديٌّ في نَشْرِ الثقافَةِ العربيَّةِ من خلالِ المدارسِ والجامعَات، والصّحافة، والمطابعِ ودُورِ النَّشْر.

23. ومنْ نتائجِ النّهضةِ العربيَّةِ المباشِرة، استنبَطَ المسيحيُّون مَفهومَين أساسيَّين: العروبةَ والتعدُّديَّة. فالعروبةُ فهِمُوها عروبةَ الإنسانِ لا الدِّين، وعروبَةَ الحداثة لا التعصُّبِ والانغِلاق. والتعدُّديَّةُ، هي تعدُّديَّةُ الإنسان والجماعاتِ باعتبارِها ركيزةَ كلِّ مُجتمَعٍ حَضاريٍّ مُتقدِّم، ولم يَرتَضوها تَشرزُمَ طوائِفَ وكياناتٍ على حِسابِ الوحدَةِ الوطنيَّةِ والسياسيّة، في دولَةٍ مَدنيَّةٍ حديثَة. إنَّ المِحوَرَ الوجودِيَّ الأوَّلَ والثابتَ للعروبةِ والتّعدديَّةِ هو الإنسانُ وكرامَتُه وحرِّيَّتُه وحقوقُه. بهذا الروحِ دخَلوا المعترَكَ السياسيَّ، دخَلوا العُروبَةَ من بابِ الإنسانيَّة. «فالإنسانُ هو طريقُ الكنيسةِ الأوَّل، وطريقُ حياتِها وخِبرتِها اليوميَّة، وقد شقَّهُ السيِّدُ المسيح. فيجِبُ على الكنيسةِ أن تَسلُكَهُ لدى قيامِها برسالتِها»[20]. لا يزالُ هذا الروحُ صالحًا لدَورٍ جديدٍ في «الرّبيع العربيِّ» الذي لن يكونَ ربيعًا ما لم يُصبِحْ «ربيعَ الإنسان»، حتَّى يَضَعَ حدًّا للتسلُّطِ والقمْعِ والهيمنَةِ وخنْقِ الحرِّياتِ والفساد.

الرباطُ بين المسيحيَّةِ والشَّرقِ الأوسَط

24. إنَّ حَقَباتِ التّاريخ وحضورَ المسيحيِّينَ الفِعليَّ في هذه المنطقةِ مُنذُ نشأةِ المسيحيَّة، يؤكدان على تَداخُلٍ تاريخيٍّ بين المسيحيَّة والشَّرق الأوسط، لكنَّه تَداخُلٌ لم يَقرِنوهُ يومًا بأيِّ رجاءٍ أرضيٍّ بَحْت، بل وَعَوا وجودَهم في ضوءِ الرسالة المَوكولَةِ إليهم. ومعَ ظُهورِ الإسلامِ بعدَ ستِّمئةِ سنة، وبالرغمِ من الصعوبات التي رافقَتِ انتِشارَهُ في المنطقة، لم يَتخلَّ المسيحيُّون عن اقتناعِهم بأنَّهم مَدعوُّونَ، بِحُكمِ رسالَتِهم، للتعايُشِ معَ الدّينِ الجديدِ بالرغمِ منَ  الاختلافِ العقائِديّ. وتنوَّعَتْ تعبيراتُ اللّقاء بين المسيحيِّين والمُسلمين. منها ما كانَ الجدَلُ غالبًا علَيه، ومنها ما تَوسَّعَ إلى حضورٍ مُساعِدٍ في بلاطِ الخلافتَين الأمويَّةِ والعبَّاسيَّة، فنذكرُ بنَوعٍ خاصٍّ تَعاوُنَ مَنصور بن سرجون، جَـدِّ القدّيس يوحنَّا الدّمشقيّ، مع خالد ابنِ الوليد. وكان الإسلامُ، من جِهتِهِ، واعيًا لأهمِّيَّةِ الحضورِ المسيحيّ ودورِهِ حُضورًا نَديًّا، وتَجلَّى ذلك في تَوقيعِ الخليفةِ عُمَر ابنِ الخطـّاب العُهدَةَ العُمريَّة، ورَفضِهِ الصلاةَ في كنيسةِ القيامة في القدُس، لئلاَّ يَختلِطَ الأمرُ على أتباعِه ويُؤدِّي بهم إلى المطالبَةِ بهذه الكنيسةِ مُلْكاً لهم.

ومِنْ أمثولاتِ التاريخِ المُعاشِ بين المسيحيِّينَ والمُسلمين في الشّرق ذاكَ التعاونُ الأصيلُ في الثّقافةِ والحضارَةِ العربيَّة، والاحترامُ المتبادَلُ ضِمْنَ دَولةٍ تَحتَرِمُ المُعتَقَدات. وارتكَزَ مُعاويَةُ على الإدارةِ البيزنطيَّةِ المسيحيَّةِ في تَنظيمِ شؤونِ الحُكم؛ وكان التعاوُنُ وِدِّيًّا بين الأمويِّينَ والمسيحيِّين، ما عدا استثناءاتٍ في عهدِ بعضِ الخلفاء؛ وظلَّ هذا التّعاونُ في العصرِ العبَّاسيّ. أمّا في عهدِ الفاطميِّينَ والمماليك والأتراك فكان التعايشُ أصعَبَ، إلاَّ أنَّهُ تحسَّنَ بُعيدَ الفتُوحاتِ العثمانيَّةِ الأولى، عندما استقَرَّتِ الإمبراطوريَّة. واستمَرَّ حتَّى بداياتِ القرنِ العشرين وقيامِ حَركاتِ التَّتريكِ والقوميَّةِ في تركيَّا، فاشتدَّتِ الأمورُ على المسيحيِّين في جبلِ لبنان، وعلى الأرمَنِ والسريانِ والأشوريِّينَ، وعلى غيرِهم من الجماعاتِ المُسلمَةِ كالأكراد. وأصبحَتِ السياسةُ قوميَّةً عسكريَّةً غيرَ مُتأثِّرَةٍ بتَعاليمِ أيِّ دِين. ومن أهمِّ أمثولاتِ هذا التاريخِ أنَّ التعايشَ والازدهارَ يَنمُوان في دولٍ مُستقِرَّة، ويَتعرَّضان للمخاطرِ عند اهتزازِ الدُّوَلِ أو زوالِها، أو معَ بُروزِ التطرُّفِ، قوميًّا كان أمْ دينيًّا.

25. هذا على صعيدِ الدّولةِ الحاكمة، أمَّا على صعيدِ الشَّعبِ فقد بلَغَ التعاوُنُ المسيحيُّ – المسلِمُ أوجَّهُ في العمَلِ المشتَرَكِ في أواخرِ القرنِ التاسِعَ عشَرَ وبدايَةِ القرنِ العشّرين، حيثُ كان للمفكِّرينَ والصحافيِّينَ المسيحيِّينَ دورٌ بارِزٌ في بَلوَرَةِ فِكرَةِ العروبَةِ والدَّعوَةِ إلى الوَحدَةِ العربيَّةِ في وَجْهِ التعسُّفِ التّركيّ، وحيثُ كان المسيحيُّون مع مواطنيهم المُسلمينَ في العديدِ من البلدانِ العربيَّةِ في طليعةِ حرَكاتِ التّحرُّرِ من الانتداب، في مِصرَ وسورية ولبنانَ والعراق، وتَعبيرًا عن رِضى التجاوُرِ والتعاوُنِ الفِعْليّ، تَولَّى عددٌ من المسيحيِّين مَراكزَ مَسؤوليَّاتٍ كبرى،  كرِئاسةِ الحكوماتِ في مِصرَ وسورية، ورئاسَةِ الجمهوريَّةِ في لبنان. وكان المسيحيُّون روَّادَ حَركَةِ الاستقلالِ ثقافيًّا، إذْ تَشهَدُ مِصرَ على ذلك بِصورةٍ خاصَّة بِصعودِ نَجمِ الصحافَةِ اللبنانيَّةِ طَوالَ القرنِ التاسِعَ عشَر.

وتميَّزَتْ كلُّ تلك المدّة بِمساهماتٍ حضاريَّةٍ وثقافيَّةٍ مُهمَّةٍ وعديدَةٍ للمسيحيِّين في كاملِ المنطقَةِ العربيَّة. نَذكرُ منها على مستوى الصحافة: الوقائِعُ المصريَّة (سنة 1828)، ومرآةُ الأحوال في إسطنبول (1854)، وحديقةُ الأخبار في لبنانَ مع خليل الخوري (1858)، والجوانبُ في إسطنبول مع أحمد فارس الشدياق (1860)، والنشرةُ الأسبوعيَّةُ مع البعثةِ الأميركيَّة (1866)، والبشيرُ للآباء اليسوعيِّين (1870)، والأهرامُ مع بشاره وسليم تقلا في مصر (1875)، والمقتطفُ معَ يَعقوب صرُّوف وفارس نمر في القاهرة (1876)، ولسانُ الحال مع خليل سركيس (1877) والهلالُ مع جرجي زيدان (1892). في سنة 1892 كان يَصدُرُ في بيروت ثلاثون صحيفَةً ومَجلَّة، وفي العالم العربيِّ ككلّ مئةٌ وسبعٌ وأربعون.

اهتزازُ المنطقة ومشروعُ الربيعِ العربيّ

26. لكنَّ هذا التاريخَ المشترَكَ لم يُكتَبْ له الثّباتُ طويلاً في كثيرٍ من الأوقات،  بسبَبِ تَصدُّع الأنظمَةِ العربيَّةِ تحتَ وَطأةِ الانقلاباتِ المُتكرِّرَة، التي أفرزَتْ أَنظمَةً تَلبَّسَتْ في مُعظمِها زَيَّ الدُّوَلِ المدنيَّة، لكنَّها راحَتْ تُعمِّقُ سَيطرَةَ فئةٍ واحدةٍ على الحُكم والمجتمَعِ مُهَمِّشَةً الفئاتِ الأخرى، ما أدّى إلى تَزعزُعِ الثّقةِ بين مُكوِّناتِ المُجتمَعِ الواحد. إلى ذلك كان لنشوءِ دولةِ إسرائيل، تأثيرٌ مُباشَرٌ في تَسعيرِ صراعٍ مَفتوحٍ معَ البلدانِ العربيَّة، انتقَلَ تَدريجيًّا من نزاعٍ على حقٍّ قَوميٍّ للفسلطنيِّين إلى صراعٍ شِبهِ دينيّ، فدَخلَتِ المنطقةُ صراعَ الإيديولوجيا، وحلَّتْ بِنتيجتِهِ الصعوباتُ في كلِّ الوطنِ العربيّ، لمسيحيِّيه ومُسلِميه على السواء: حروبٌ، عنفٌ، إرهابٌ، تهجيرٌ، هجرةٌ، خنقُ حرِّيَّات، قمعُ حقوقِ الإنسان، تخلُّفٌ إقتصادي… واليوم أيضًا يُطرَحُ سؤالٌ كبيرٌ عن مُستقبَلِ العالَمِ العربيّ، بعد انطلاقَةِ ما سُمِّي «بالربيعِ العربيّ» الذي أدخلَ الشّعوبَ في تَجربَةٍ نعيشُ اليومَ أفراحَها وأتراحَها، ووعدَها المأمولَ وهواجسَها الخانقة. إنَّهُ المخاضُ العسيرُ في العالَمِ العربيِّ من أجلِ بِناءِ دُولٍ حديثةٍ فَعَّالةٍ ومُستَقِرَّة، ذاتِ أَنظِمَةٍ دِيموقراطيَّةٍ تَحتَرِمُ كرامةَ الإنسانِ وتَداوُلَ السلطةِ ونتائجَ الانتخاباتِ الشّفَّافة، ووجودِ مُعارَضَةٍ فعَّالة. لكنَّ هذا المَسعى لا يَكتَمِلُ عَقدُهُ من دونِ احترامِ التَّعدُّديَّةِ والمساواة. وجُلُّ ما نتمنَّاه أنْ يَنجَحَ العالمُ العربيُّ في هذا المسعى، وفي استيعابِ تعدُّديَّته، والحفاظِ على الوجودِ المسيحيِّ فيهِ كعامِلٍ أصيلٍ وفعَّالٍ يُسهِمُ في بناءِ دُوَلٍ تأخذُ شعوبَها نحوَ المستقبل، فتحتَلُّ مكانَتَها بين الأمم.

الفصل الثالث  

دعوةُ لبنانَ التّاريخيَّة

لبنانُ مَهدُ ثقافَةٍ عريقة

27. مسيحيُّو لبنانَ مَدعوُّون، باعتبارِهم أصحابَ تَجربةٍ في حِوارِ الحياةِ والثقافَةِ والمصيرِ معَ المُسلِمين، إلى شَهادَةٍ أكبرَ على تَعلُّقِهم بإيمانِهم بكرامَةِ الإنسان التي من أجلِها عمِلُوا قرونًا من الزمن، حتَّى حقَّقوا معَ شُركائِهم المُسلمين بَلدًا يقومُ على صيغةٍ فَريدَةٍ كرَّسَتِ الوحدَةَ في التَّعدُّدِ من دونِ تَهميشِ أيِّ مُكوِّنٍ فيها. وفي الوقتِ عينِه أَرسَوا علاقاتٍ مع البلدانِ العربيَّة، على قاعدَةِ الأُخوَّةِ والتضامُنِ مِنْ ضِمنِ احتِرامِ سِيادَةِ كلِّ بلَد. ففي هذا الوقتِ بالذاتِ، على مسيحيِّي لبنانَ ومُسلِميه أنْ يَلعَبوا دورًا رياديًّا في المنطقة، بأنْ يُقنِعُوا الآخَرينَ بأهمِّيَّةِ النَّموذَجِ الذي أَوجَدوه معًا. فهُم خبِروا كلَّ أَوجُهِ الحياةِ معًا، حتَّى التقاتُلِ بعضَ الأحيان، لكنَّ التاريخَ قد برهَنَ أنَّ لبنانَ إمَّا أنْ يكونَ بجَناحَيه أو لا يكون. لذلك إنَّ «الربيعَ اللبنانيَّ» المسيحيَّ–الإسلاميّ ، هو البابُ الذي يجبُ اجتيازُه، رغمَ هشاشَتِهِ بَعضَ الأحيان، لبلوغِ «ربيعٍ عربيٍّ» حقيقيٍّ وسليم، بدلاً من بابِ العنفِ والحربِ والممارساتِ الإرهابيَّة.

28. تَبرُزُ دَعوةُ لبنانَ التاريخيَّةُ في مُستهلِّ الإرشادِ الرسوليّ «رجاءٌ جديدٌ للبنان»، حيثُ يقولُ البابا الطّوباوي يوحنّا بولسُ الثّاني: «أَشَرْتُ إلى أنَّ التِزامَ المسيحيِّينَ أمْرٌ هامٌّ للبنان، الّذي تتَّسِمُ جذورُه التاريخيَّةُ بالطابعِ الدِّينيّ. وبِحُكمِ هذه الجذورِ الدِّينيَّةِ للهُويَّةِ اللّبنانيَّةِ الوطنيَّةِ والسياسيَّة، أُتيحَ لنا وأَردنا أنْ نَعقِدَ، بعد سِنِي الحرْبِ القاسِيَةِ، جمعيَّةً سينودسيَّةً، للبحثِ معًا عن السبيلِ إلى تَجديدِ الإيمان، وإلى تَعاونٍ أَجدى، وشَهادةٍ مُشتَرَكَةٍ أكثرَ فاعليَّة، من دونِ إغفالِ إعادَةِ بِناءِ المجتمع». وأضاف: «لبنانُ بلَدٌ طالَما اتَّجهَتْ إليه الأبصار. لا يُمكنُنا أنْ نَنسى أنَّهُ مَهدُ ثقافَةٍ عريقةٍ وإحدى مَناراتِ البحرِ الأبيضِ المتوسِّط. فلا يَستطيعُ أحَدٌ أنْ يَجهَلَ اسْمَ بيبلوس التي تُذكِّر ببداياتِ الكتابة». هذان التأكيد ان هما في أساسِ دَعوَةِ لبنانَ التاريخيَّةِ ورسالَتِه في المحيطِ العربيِّ وتُجاهَ الغرب.

المحافظةُ على خصوصيَّةِ لبنان

29. لقد أشادَ البابا يوحنَّا بولس الثاني بالخصوصيَّةِ اللبنانيَّةِ وأهمِّيَّةِ المحافظَةِ علَيها، من خلالِ رسالةٍ وجَّهَها إلى اللبنانيِّينَ في أوَّل أيَّار 1984، كتبَ فيها: «سنواتُ الحربِ الطّويلةِ يجِبُ ألاّ تنالَ منْ ثِقتِكم بلبنان. فهو قيمَةٌ حضاريَّةٌ ثمينة: ولْنُفكِّر في ما الإنسانيَّةُ جمعاء مَدينةٌ لَهُ منذُ عهدِ الفينيقيِّين البعيد، من دونِ أنْ نَنسى تَلاقي الأديان، والحوارَ الثقافيَّ بين شَرقٍ وغَرْب، والمبادراتِ المسكونيَّة، والحرِّيَّة، والتفاهمَ والضيافَةَ وانفتاحَ الروح، إنَّ هذه كلَّها كانَتْ القِيَمَ التي نهضَ علَيها لبنانُ الأمس، وهي في أساسِ لبنانَ الغد. وإنَّ مُجتمَعًا تُنعِشُهُ مِثاليَّةٌ ديموقراطيَّة، مُتعدِّدَة، ولَهُ تراثٌ ثَمين، لا يُمكِنُ أحدًا أنْ يُسلِّمَ بأنْ يَراه في طريقِ الزوال. ولا تستطيعُ جميعُ البلدان، صديقةُ السلام والحرِّيَّةِ إلاَّ أنْ تقدِّمَ دعمَها للبنان، لتُساعِدَهُ على استعادَةِ وَجهِهِ الأصيل، وهذا ما سيكونُ عملُ اللبنانيِّين وَحدَهم، وهو عمَلٌ يَقتَضي له صبرٌ وسَخاء»[21].

30. وفي رسالةٍ وجَّهها إلى جميعِ أساقفةِ الكنيسةِ الكاثوليكيَّة في العالم، بتاريخ 7 أيلول 1989، طالبًا منهم تخصيصَ يومِ صلاةٍ شامِلٍ من أجْلِ لبنان، كتبَ: «إنَّ الكنيسةَ، بهذه المبادرَةِ الروحيَّة، تُريدُ أنْ تُظهِرَ للعالَمِ أنَّ لبنانَ أكثرُ من بلد. إنَّهُ رسالةُ حرِّيَّةٍ ونَموذَجٌ في التَّعدُّديَّة، للشّرقِ كما للغَرب… علينا أنْ نُبيِّنَ التّقاليدَ الغنيَّةَ والعريقةَ في التعاوُنِ بين المسيحيِّينَ والمُسلِمينَ في هذا البلد التي جَعلَتْ منه، إلى زمنٍ بعيد، نموذجًا للعيشِ معًا، يَتميَّزُ بالتعاوُنِ المتبادَل، والحوارِ والتوافُقِ في خِدمَةِ الإنسان. هذه شروطٌ لا بُدَّ منها للحرِّيَّةِ والسلامِ واحتِرامِ كرامَةِ الشخصِ البشريّ. لقد أصبحَ القَبولُ بهذه التَّعدُّديَّةِ وممارستُها قيمَةً أساسيَّةً في مَسارِ تاريخِ لبنانَ الطّويل. إذا زالَ هذا البلدُ، فإنَّ قضيَّةَ الحرِّيَّةِ بالذّات هي التي تُصابُ بالفشَل المُفجِع»[22].

31. هذه الأقوالُ تُبيِّنُ حقيقةَ هُويَّةِ لبنانَ ودَعوتِهِ التّاريخيَّة بأنَّه، كما سمَّاهُ المَجْمَعُ البطريركيُّ المارونيُّ، «شراكةً بين مَسيحيي لبنانَ ومُسلِميه، شراكةَ الثقافَةِ وشراكةَ المصير»، على أساسِ العيشِ معًا بالمساواةِ والتكافُلِ والتَّضامُن. هذه الثلاثةُ هي بمثابَةِ حجَرِ الزاويَةِ للبناء اللبنانيّ. ويُضيفُ المجمعُ أنَّ «هذا النّموذجَ اللبنانيَّ أجرى تَحوُّلاً تاريخيًّا في العلاقةِ المسيحيَّةِ – الإسلاميَّةِ بالمُطلق. فقد نقلَها من التّوتُّرِ وعدَمِ التّكافؤ إلى التوافُقِ والتّكامُل. وكان لكنيستِنا المارونيَّةِ دورٌ حاسِمٌ في إرساءِ هذا النّموذَج. وسيبقى دورُها مَصيريًّا في صيانتِه من العثرات»[23].

هذا الدورُ المنوطُ بوَحدَةِ اللّبنانيِّينَ الداخليَّة، يمكِّنُهم منَ الإسهامِ في إخراجِ العالَمِ العربيِّ مِنْ مَخاضِهِ الحضاريِّ إلى إقرارِ الوَحدَةِ في التعدُّدِ والحرِّيَّاتِ العامّة، والعمَلِ بِمُقتضياتِ العدالةِ والسّلامِ وحُقوقِ الإنسانِ ولاسيّما حقوقِ المرأة، ومنْحِ الجماعاتِ حقوقَها بحُكمِ المواطنَة، وتعزيزِ التوافُقِ بين جميعِ مُكوِّناتِ البلادِ وتَربيةِ المواطنينَ عليه وإدراجِه في القوانين.

32. خصوصيَّةُ لبنانَ تقتضي المحافظةَ على جَناحَيهِ المسيحيِّ والمُسلِم، بحيث يُشكِّلُ كلُّ واحِدٍ منهما، على تنوُّعِه وغِناه، قيمَةً مُضافَة، تؤلِّفُ جمالَ التّنوُّعِ في الوَحدَة. هذا ما يُسمَّى «بالفسيفساءِ اللّبنانيَّة» المُعبَّرِ عنها «بالعيشِ المُشترَكِ» أو «العيشِ معًا».

كلُّ ذلك يُشكِّلُ دعوةَ لبنانَ التّاريخيَّةَ في مُحيطِهِ العربيّ، وفي الأسرةِ الدُّوَليَّة. يَرمُزُ إلى لبنانَ ذاك «النَّسرُ» الذي رآه حزقيال (500 سنة قبل المسيح)، وقال عنه: «إنَّ نَسرًا عظيمًا ذا جناحَينِ عظيمَين، طوالَ القوادم، الممتلِئ ريشًا، الموشَّى بالألوان، قد أتى لبنانَ واستقرّ على ناصيةِ الأرز!» (حز 17: 3).

الصيغةُ الميثاقيَّة

33. وما يعزِّزُ هذه الخصوصيَّةَ تَميُّزُ نِظامِ لبنانَ عن سواه، بين بلدانِ الشَّرقِ الأوسط، بميثاقِهِ الوطنيِّ الذي ارتَضاهُ المسيحيُّون والمُسلمون في دولَةٍ مدنيَّة، قِوامُها جَمعٌ من دُونِ اتِّحادٍ وتَمييزٌ من دونِ انفِصالٍ بينَ الدِّينِ والدولة. والصّيغَةُ التي اختَصَرَتِ الميثاقَ تُعبِّرُ عن هذا الأمر: «لا للشَّرق ولا للغرْب»، أي «لا» للذّوبانِ في المحيطِ العربيِّ و«لا» للتّبعيَّةِ للغرب، ما يَعني بتعبيرِ اليوم: «لا» للتّيوقراطيَّةِ أو الأحاديَّة و«لا» للعلمنةِ السلبيَّة. وتَطوَّرَتْ هذه الصيغةُ سنة 1958 بـ«لا غالِبٍ ولا مَغلوب» تعبيرًا عن أنَّ اللبنانيِّين يريدونَ دولةً تكفُلُ حقَّ الجميع، لا دولةً تقِفُ عند حدودِ التوافُقِ بين الطوائف. عكسَتِ المادَّةُ التاسعةُ من الدّستورِ اللّبنانيِّ إرادةَ اللّبنانيِّينَ في قِيامِ هذا النّظامِ المتوسِّطِ بين حقِّ الطّوائِفِ واستقلاليَّةِ الدّولَةِ في الحقلِ العامّ، إذْ تَنُصُّ: «حرِّيَّةُ الاعتقادِ مُطلَقَةٌ، والدولةُ بِتأديَتِها فروضَ الإجلالِ للهِ تعالى، تَحتَرِمُ جميعَ الأديانِ والمذاهِبِ وتَكفُلُ حرِّيَّةَ إقامَةِ الشّعائر الدّينيَّةِ تحتَ حمايَتِها، على أنْ لا يكونَ في ذلك إخلالٌ في النّظامِ العام، وهي تَضمَنُ أيضًا للأهلينَ، على اختلافِ مِلَلِهم، إحترامَ نِظامِ الأحوالِ الشَّخصيَّةِ والمصالحِ الدّينيَّة».

34. إنَّ غايةَ الميثاقِ الوطنيِّ الأساسيَّةَ هيَ المساواةُ والعدالةُ بين مُكوِّناتِ الوطنِ الواحد، لِتَحقيقِ عَيشٍ مَعًا حقيقيٍّ، قائِمٍ على الثّقَةِ والاعترافِ المتبادَل، ووَحدَةِ المصير. لذلكَ فالميثاقُ يَتخطَّى مُستَوى التّساكُنِ إلى مَنطِقِ التّواصُلِ والتّفاعُلِ والإغناءِ والمُشارَكَة، من دون إلغاءِ الخصوصيَّاتِ والفوارِقِ التي تُصبِحُ مَصدرَ غِنًى للجميع. وتَجسيدًا لأبعادِ الميثاقِ وضَعَ اللبنانيُّون صيغةَ المشاركَةِ المتوازنَةِ في الحكمِ وإلادارة، باعتمادِ «المناصَفَةِ بينَ المسيحيِّين والمُسلِمين. واذا كانت الوظيفةُ تِقنِيَّة، رُوعِيَتْ فيها الكفاءة. وكان التوافُقُ على أنْ يَكونَ رئيسُ الجمهوريَّةِ مارونيًّا، ورئيسُ مجلِسِ النُّوابِ شيعيًّا، ورئيسُ مجلِسِ الوزراء سنِّيًّا. والصيغَةُ تَعتَمِدُ في الدّستور قاعدةَ التَّساوي بينَ المسيحيِّين والمُسلمينَ في توزيعِ المقاعِدِ النيابيَّة (المادة 24)، وتشكيلِ الوزراء (المادة 95، أ)، وتعييناتِ وظائفِ الفئةِ الأولى وما يُعادِلُها (المادة 95، ب). لكنَّها انحَصَرَتْ بتَوزيعِ المسؤوليَّاتِ العامَّةِ على جميعِ الطوائِفِ بالإنصاف، وكان يُؤمَلُ من هذه الصيغةِ تأمينُ استقرارِ الكيانِ وتَحقيقُ الديموقراطيَّةِ وازدهارُ الاقتصاد، لو تَطوَّرَتْ حسَبَ مُقتضياتِ الحداثةِ والتجربة التاريخيَّة»[24].

استكمالُ الدولةِ المدنيَّة

35. يتبيَّنُ منَ الصّيغةِ الميثاقيَّةِ أنَّ لبنانَ دولةٌ مدنيَّة، غيرُ دينيَّة، بمعنًى أنَّه لا يَعتمِدُ دينًا للدّولة، ولا كتابًا دينيًّا، ألإنجيلَ أو القرآن، كمصدَرٍ للتّشريع، ولا يَحصُرُ السلطةَ السياسيَّةَ والقضائيَّةَ والعسكريَّةَ الكبرى بِدِينٍ أو بِمَذهَب، خِلافًا لكلِّ البلدان في منطقتِنا ذاتِ النظامِ الدّينيِّ أو التيوقراطيّ. لقد أُعطي اللبنانيُّون مهمةً مُشترَكةً هو استكمالُ تَحقيقِ هذه الدولةِ المدنيَّة. لكنَّ لبنان، المكوَّنَ من طوائفَ ومَذاهبَ إسلاميَّةٍ ومَسيحيَّة، يتأثَّرُ، الى حَدٍّ بعيدٍ، بما يَجري في مُحيطِه. ونتائجُ هذا التأثّرِ تُحرِّكُ العصبيَّةَ الطّائفيَّةَ والمذهبيَّةَ، الذي يُرافقُهُ الخوفُ من غيابِ الصَّوتِ المعتَدِلِ الذي هو صوتُ الأكثريَّةِ الإسلاميَّةِ في بلدانِ الشّرق الأوسَط، وخصوصًا لبنان.

ومعَ هذا، ما زالَ مفهومُ الدولةِ في لبنانَ سليمًا، لأنَّها لا تَستمِدُّ سُلطتَها منَ الدِّين، بل من المواطنين. لبنانُ دولةٌ مَبنيَّةٌ على «سلطَةِ الشعب»، كما تَنُصُّ مُقدِّمَةُ الدّستور: «الشعبُ مَصدَرُ السلطاتِ وصاحِبُ السيادةِ التي يُمارِسُها عَبْرَ المؤسّساتِ الدّستوريّة» (بند د). إنَّها دولةٌ قائمَةٌ على حقوقِ الإنسان، بِغَضِّ النّظرِ عن دِينِه أو عِرقِه أو مُستواهُ الاجتماعيّ. فمُقدِّمَةُ الدّستورِ تَنُصُّ على أنَّ لبنانَ «مُلتزِمٌ مَواثيقَ مُنظَّمَةِ الأممِ المتَّحِدَةِ والإعلانَ العالميَّ لِحقوقِ الإنسان. والدّولةُ تُجسِّدُ مَبادِئَهما في جميعِ الحقولِ والمجالاتِ دونَ استثناء» (بند ب). وموادُ الدّستورِ تَنُصُّ أيضًا على «الإقرارِ بالحرِّيَّةِ الشخصيَّة (م 8)، وحرِّيَّة المعتقد (م 9)، وحرِّيَّةِ التعليم (م 10)، وحرِّيَّةِ إبداءِ الرأي قَولاً وكتابَةً، معَ حرِّيَّةِ الطّباعةِ وحرِّيَّةِ الإجتماعِ وحرِّيَّةِ تأليف الجمعيَّات» (م 13). كما أنَّ الدّستورَ يُؤكِّدُ على أنَّ «كلَّ اللبنانيِّينَ سَواءٌ لدى القانون، وهم يَتمتَّعون بالسّواء دونَ ما فرْقٍ بينَهم» (م 7)، وأنَّ «لكلِّ لبنانيٍّ الحقَّ في تولِّي الوظائِفَ العامّة، ولا ميزةَ لأحَدٍ على الآخَر إلاَّ من حيثُ الاستحقاقِ والجدارةِ حسَبِ الشروطِ التي يَنُصُّ عليها القانون» (م 12).

ميزةُ لبنانَ التمايُزُ والاستقلاليَّةُ بينَ الدِّينِ والدّولة، في الصيغةِ والهيكليَّةِ والوسائل. ويقومُ في الوقتِ عَينِهِ تَعاوُنٌ بينَ الاثنينِ وتَفاهُمٌ وتَضافُرُ جُهودٍ من أجْلِ الخَيرِ العامِّ وخيرِ الإنسان[25].

ومنْ خصوصيَّةِ لبنانَ أنَّه يَعتَمِدُ الدّيموقراطيَّةَ التوافُقيَّة، لا العدديَّة الطائفيَّة، لكونِهِ مُجتمَعًا تَعدُّديًّا. وهو يُدرِكُ أنَّ الدّيموقراطيَّةَ العدديَّةَ القائمةَ على أساسٍ طائفيٍّ لا تَضمَنُ للمواطنينَ تَمثيلَهم الفِعليَّ في الدّولة بِصِفَتِهم المواطنيَّة، بل بانتماءاتِهم الطّائفيَّة؛ كما أنَّها قد تُستخْدَمُ أداةً لِقَهرِ الأقلِّيَّات. فيَأتي التمثيلُ لصالحِ الأكثريَّةِ الطّائفيَّةِ عمليًّا، الأمرُ الذي يُشكِّلُ خطَرًا على الطّوائفِ القليلةِ العدد. وقد يُؤدِّي أيضًا إلى الإرتكازِ على الأكثريَّةِ العدديَّةِ لِتَغيير الدّستور، والتضييقِ على حرِّيَّةِ المُعتَقَد، وفُقدانِ التّمثيلِ السّياسيِّ الصحيحِ للطّوائفِ التي يَتكوَّنُ منها لبنان. لذلك اعتمدَتِ الدّولَةُ المناصفَةَ بين المسيحيِّينَ والمُسلِمين، «كجِناحَين يَطيرُ بهما لبنان»، وأُسنِدَتْ رئاسةُ الدّولة إلى مسيحيٍّ من أجل حمايَتِها كدَولَةٍ مدنيَّة لا تُعارِضُ الدين، وتتجنَّبُ تحويلِها إلى دولةٍ دينيَّة، تحتَ تأثيرِ مُحيطِها[26].

36. من أجلِ استكمالِ الدّولَةِ المدنيَّةِ في لبنان، يَنبغي، قبْلَ كلِّ شَيء، تَطبيقُ الدّستورِ بِمَضمونِهِ وروحِه، وتَفعيلِ المؤسَّساتِ الدّستوريَّةِ وعمَلِ المجالسِ والأجهزَةِ الرّقابيَّة، مَنعًا للفَسادِ وهَدْرِ المالِ العامّ، وفَرْضًا لِمَهابَةِ الدّولَةِ بِتَعزيزِ قُدُراتِها، فتكونُ دَولةً قويَّةً وقادِرةً على تأمينِ حقوقِ المواطِنينَ وحِمايَتِهم. كما يجبُ الحدُّ من تدخُّلِ السياسيِّينَ في الإدارة، ومنَ الولاءِ للطّائفة أو لأصحابِ النفوذِ فيها. ولا بُدَّ من تربيةِ المواطنين، منذُ صِغَرِهم، على الإنتماءِ الكاملِ والمخلِصِ للدّولةِ أوَّلاً وآخِرًا.

استكمالُ الدّولَةِ المدنيَّةِ لا يُفرَضُ فرضًا، بل يَنبَعُ من الدّاخل كعَقْدٍ اجتماعيٍّ يَتوافَقُ علَيه اللّبنانيُّون، ويُحصِّنونَه بِقِيَمٍ مُشتَرَكَة. وبهذا يَضعونَ حَدًّا لخلافاتِهم، وتَكفُّ الفئاتُ اللبنانيَّةُ عن أنْ تَفرِضَ أيٌّ منها رأيَها على الآخَرين، أو أنْ تُهيمِنَ على غَيرِها.

وينبغي قيامُ مَركزيَّةٍ قويَّةٍ وفعَّالَةٍ ومُحايِدَةٍ عن الطّوائفِ والتيَّاراتِ السياسيَّة، تكونُ قادرةً على حِفظِ حقوقِ المواطنين، مع مَراكزَ قَرارٍ مُتعدِّدَةٍ ومُتعاضِدَة داخِلَ هَيكليَّةِ الحكم، فَضلاً عن إنشاء اللاّمركزيَّةِ الموسَّعَةِ التي من شأنِها أن تَخلُقَ إطارًا لتَخفيفِ الصراعِ السّياسيِّ في الدّولة المركزيَّة، وتكونُ حافزًا لإبعادِ السياسيِّينَ عن العملِ الإداريِّ داخلَ الدولةِ المركزيَّة.

37. من أجلِ هذا المسعى، دَعَونا إلى عقدٍ إجتماعيٍّ جديد، يكونُ عَقدًا تُقِرُّ فيه الجماعاتُ صراحَةً أنَّ خِيارَها النهائيَّ الدّولة، بعدَما جرَّبَتْ كلٌّ منها الدّويلَةَ أو الاستئثارَ السياسيَّ بالدّولة. في العقدِ التأسيسيِّ للبنان ارتَضَينا الكيانَ كلٌّ بحسَبِ ما فسَّرَ انتماءَه إليه، لكنَّ الرِّضى تمَّ. يبقى ارتضاءُ الدولةِ أُفقًا نهائيًّا لجميعِنا، وهو أمرٌ لم يَتِمَّ بعدُ بِشكْلٍ حاسِم، ولا يَخفى ذلك، لأنَّ الأحداثَ المُتسارِعَةَ على أرضِ لبنان والاحتقانَ الحاصلَ والتشاطُرَ في السياسة، إضافَةً إلى الميلِ الدائمِ للإستقواءِ بالخارج، والانخراطِ في المحاورِ الإقليميَّةِ والدّوليَّة، تُشيرُ كلُّها بِوضوحٍ إلى أزمَةِ خِيارٍ تُجاهَ الدّولة. وهذه الأزمةُ تُفسِّرُ ما قيلَ يومًا «إنَّنا استَقَلَّينا دَستوريًّا لكنَّنا لم نستَقِلَّ تاريخيًّا»، أي أنَّ تاريخَ الجماعاتِ لم يَترُكْ للدّولةِ بعدُ مَجالاً بأنْ تكونَ هي الأفقَ الحقيقيَّ والضامنَةَ الوحيدَةَ لِتَحقيقِ ما تَصبو إليه. فقبْلَ كلِّ شَيء نحنُ بحاجَةٍ إلى التّصالحِ معَ مَفهومِ الدّولة.

لبنانُ يحتاجُ إلى زيادَةٍ في كمِّيَّةِ الولاءِ للدّولة، يليها رَسْمُ حُدودٍ واضحَةٍ لالتزامِهِ بالقضايا العربيَّةِ حتَّى لا تُعرَّضُ سيادَتُه أو استقرارُه للتدهْوُر. فلبنانُ يسانِدُ قضايا العرَبِ بقَدَرِ ما يُحافِظُ على خصوصيَّتِه، ويناصِرُ قضايا السلامِ والوئامِ في العالَمِ بقَدرِ ما يتألَّقُ نَموذَجُ عيشِهِ المشتَرَك.

38. أنَّ التَّحوُّلاتِ التي تَشهَدُها المنطقةُ تُشكِّلُ حافِذًا للّبنانيِّينَ لكَي يَعمَلوا على إجراءِ الإصلاحاتِ اللاّزمةِ لِتَدعيمِ هذه الخصوصيَّةِ، ورفْعِ شأنِ الدّولةِ التي تَبقى هي الملاذَ الأمينَ للحفاظِ على عيشِهم المشترَك، لأنَّ الواقعَ يُشيرُ إلى تَراجُعٍ في التمَسُّكِ بالدّولة. فاللّبنانيُّون والمسيحيُّون خصوصًا مَعنِيُّون بِتَحصينِ الدّولةِ لأنَّها ثَمرَةُ جَهْدٍ تاريخيٍّ، ولنْ يَرحَمَ التاريخُ مَنْ يَخرُجُ على الدّولة أو يَعبَثُ بها. أليسَ مُستَغرَبًا أنَّ العالمَ العربيَّ يَبحَثُ عن الدّولة في حينَ أنَّ اللبنانيِّين يَتخلَّونَ عنها؟

حيادُ لبنان الإيجابيُّ والملتزِمُ بِمحيطِه

 39. إنَّ خصوصيَّةَ لبنانَ الميثاقيَّةَ ونَموذجيَّةَ عيشِهِ المشترَكِ تَستدعيان إعلانَ حِيادِ لبنانَ الإيجابيِّ الذي يَجعَلُ منه، كما قال البابا يوحنَّا بولس الثاني «إحدى مناراتِ البحرِ الأبيض المتوسِّط»، مَكانًا مُميَّزًا للتّلاقي ولحوارِ الأديانِ والحضارات، وعنصرَ استِقرارٍ وسلامٍ في الشّرقِ الأوسَط، وواحَةً فَريدَةً لِشُعوبِه، إذْ يُولي اهتِمامًا خاصًّا للقضايا الدُّولِيَّةِ كعُضوٍ مُلتَزِمٍ في مُنظَّمَةِ الأممِ المتَّحِدَة، والقضايا العربيَّةِ كعُضوٍ فاعِلٍ في جامعةِ الدّولِ العربيَّة، في كلِّ ما يَختَصُّ بالسّلامِ والعدالةِ والتّفاهم بينَ الشعوب. كما ويُسهِمُ هذا الحِيادِ في خِدمةِ الشّرقِ الأوسَطِ على المستوى الثّقافيِّ والماليِّ والاقتصاديِّ والعمرانيّ، وفي تقليصِ الهِجرة، ويُسهِّلُ لأبنائِهِ المنتشرينَ في العالمِ مجالاتِ الاستِثْمارِ والعَودَةِ إلى رُبوعِه.

40. وحدَهُ لبنانُ الحياديُّ يُعطي السُّلطةَ الشّرعيّة دونَ سِواها، حقَّ الاستئثار بالقوّة، فيَعيشُ لبنانُ بسلامٍ داخليٍّ ومعَ الدُّوَلِ القريبةِ والبعيدة، من دونِ أن يُهَدِّدَ أحدًا، أو يُهدَّدَ منْ أحد. كما يُحصِّنُ العَيشَ المشتَرَكَ ضِمنَ التَّعدُّديَّةِ في الوحدَة، ويكونُ، بالتالي، مِثالاً يُحتَذى به في دُولِ الشّرقِ الأوسَط، في زمنِ العَولَمَةِ والحداثَة.

نحنُ نَعتَقِدُ أنَّ إعلانَ حِيادِ لبنانَ حاجَةٌ لبنانيَّةٌ وعربيَّة، ومطلَبٌ يَنبغي أنْ تتبنَّاهُ الأسرةُ الدُّوَليَّةُ لكَي يُصبِحَ مَكانَ اللّقاءِ بينَ الشّرقِ والغرب، بِحُكمِ مَوقِعِهِ الجغرافيِّ وصيغَتِهِ الميثاقيَّة، ومركزًا دُوَليًّا لحِوارِ الأديانِ والحضارات، تَعتَرِفُ بهِ مُنظَّمَةُ الأممِ المتَّحِدَةِ وجامعةُ الدُّوَلِ العربيَّة. وفي زمن السّعي إلى تَحقيق «ربيعٍ عربيٍّ» حقيقيّ، يكونُ نموذَجُ لبنانَ الحياديُّ طريقًا مَضمونًا إليه.

*  *  *

الخاتمة

 41. الإيمانُ والشَّهادةُ يُشكِّلانِ مِحوَرَ سنتِنا الثالثةِ في الخِدمَةِ البطريركيّة. إيمانٌ مُتجدِّدٌ بالمسيح، المخلِّصِ والفادي، وشهادَةٌ لمَحبَّتِه، كما كتبَ قداسة البابا السابق بندكتوس السادس عشر في رسالةِ الصوم الكبير لهذه السنة: «الإيمانُ هو معرفةُ الحقيقةِ وقبولُها (راجع 1 طي 2: 4)، والمحبَّةُ هي السّيرُ في الحقيقةِ وعيشُها (راجع أف 4: 15)؛ بالإيمانِ ندخلُ في الصّداقةِ مع الله، وبالمحبَّةِ نَعيشُ هذه الصّداقةَ ونُنَمِّيها؛ الإيمانُ يَجعلُنا نَقبَلُ وَصيَّةَ المسيحِ الرَّبِّ والمعلِّم، والمحبَّةُ تَملأنا فَرَحًا بإتمامِها؛ بالإيمانِ نُميِّزُ عطايا الله، وبالمحبَّةِ نثمِّرُها» (الفقرة 2).

إنَّنا نَكِلُ هذا العَزمَ إلى حمايَةِ أمِّنا مريمَ العذراء، سيِّدَةِ البشارة، و«بابِ السماء»، طالبينَ منها أن تَشفَعَ لنا عندَ ابنِها. ونَستَودِعُ المسيحَ الإلهَ «سنةَ الإيمان»، راجينَ أنْ تَكونَ زمنَ نِعمَةٍ وتَجَدُّد، «وبابًا مفتوحًا لا يَقدِرُ أحدٌ أنْ يَغلِقَهُ» (رؤ 3: 8)، بابَ الإيمانِ والمحبَّة، بابَ الرجاءِ والسّلام.

ولكم منّا جميعًا المحبّة والبركة الرّسوليّة.

عن كرسينا في بكركي، عيد بشارة العذراء مريم، 25 آذار 2013.

المحتوى

المقدمة                                                        5

الفصل الأوّل: الإيمانُ ومُقتَضياتُهُ ومَخاطِرُه         9

بابُ الإيمان                                                9

الإيمانُ يُكوِّنُ هَويَّتَنا المَسيحيَّة                          12

الإيمانُ مِنَ الكنيسَة وفيها                                13

أزمةُ الإيمان                                               18

أولاً، نسيانُ اللهِ لدرجةِ إضاعَتِه أو وَضعِه جانبًا 19

ثانيًا، الإلحادُ النَّظريُّ والعَمَليّ                       21

ثالثًا، العقلانيَّة                                           23

رابعًا، الراديكاليَّة                                       25

الفصل الثاني: مِساحاتُ الشَّهادةِ المسيحيَّة                       27

رسالَةٌ من عَلُ                                             27

الموارنةُ والنَّهضةُ العربيَّة                              31

الرباطُ بين المسيحيَّةِ والشَّرقِ الأوسَط                35

اهتزازُ المنطقة ومشروعُ الربيعِ العربيّ             38

الفصل الثالث: دعوةُ لبنانَ التّاريخيَّة                               41

لبنانُ مَهدُ ثقافَةٍ عريقة                                   41

المحافظةُ على خصوصيَّةِ لبنان                       43

الصيغةُ الميثاقيَّة                                          46

استكمالُ الدولةِ المدنيَّة                                   48

حيادُ لبنان الإيجابيُّ والملتزِمُ بِمحيطِه                 53

الخاتمة                                                        55

[1]  المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور عقائدي في الكنيسة، 1.

[2]  باب الإيمان، عدد 4.

[3]  بدأ حبريَّته في 22 تشرين الأوّل 1978

[4]  Youcat التعليم المسيحي الكاثوليكي للشبيبة، 20-21

[5]  المرجع نفسه، 22 (الهامش)

[6]  المرجع نفسه، 22

[7]     كتاب التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيَّة، 158-159.

[8]     البابا يوحنّا بولس الثاني، الإيمان والعقل، 14 أيلول 1998، الاستهلال.

[9]     المرجع نفسه، 43.

[10]  التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، 159.

[11]  الإرشاد الرسوليّ: «الكنيسة في الشرق الأوسط، شركة وشهادة»، 29.

[12]  الفقرات 2088-2093.

[13]  الكنيسة في الشرق الأوسط، 71.

[14] راجع الفقرات 68-84.

[15] راجع الفقرات 85-88، 92-94.

[16] راجع الفقرات 89-91.

[17] المجمع البطريركي الماروني، حضور الكنيسة المارونية في النطاق البطريركي، الفقرة 3.

[18] البابا بولس السادس، رسالة عامة في ترقي الشعوب، سنة 1967، عدد 76

[19] النصُّ المجمعيّ: الكنيسة المارونيَّة والثقافة، 17-19 و21؛ الكنيسة المارونيَّة والتعليم العامّ والتقنيّ، 5. نذكر من أبرز الكتّاب باللغة العربيَّة في القرن التاسع عشر بطرس البستانيّ (1819-1883) صاحب «محيط المحيط» وكتاب دائرة المعارف؛ وناصيف اليازجيّ (1800-1870) صاحب كتاب فصل الخطاب في أصول لغة الأعراب، وابنه إبراهيم اليازجيّ (1847-1906) الذي نظر في ترجمة الكتاب المقدَّس للآباء اليسوعيِّين؛ ويوسف الأسير (1815-1889) معلِّم الفقه الإسلاميّ؛ فضلاً عن كتّاب كبار مثل نقولا الترك، وبطرس كرامي، وأحمد فارس الشدياق… ونذكر من بين الشعراء بالعربيَّة في القرن التاسع عشر أيضًا: خليل مطران (مواليد 1872)،  وإيليَّا أبو ماضي (مواليد 1889).

[20] البابا يوحنّا بولس الثاني، فادي الإنسان، 14

[21] أنظر كتاب البابا ولبنان، ص. 62 – منشورات جامعة سيدة اللويزة، تحقيق الأب جان مارون الهاشم.

[22] المرجع نفسه، ص. 127-128.

[23] المجمع البطريركي الماروني، حضور الكنيسة المارونية في النطاق البطريركي، 21 و22.

[24] المجمع البطريركي الماروني، الكنيسة المارونيَّة والسياسة، 36-37؛ شرعة العمل السياسيّ، ص 29-30

[25] شرعة العمل السياسي تتوسع في هذا الموضوع. راجع الصفحات 11-17

[26] روجيه ديب، لبنان المستقر، صفحة 131-144

شاهد أيضاً

رسالة قداسة البابا فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي الثّامن والخمسين لوسائل التّواصل الاجتماعيّة الذّكاء الاصطناعيّ وحكمة القلب:للتّواصل البشريّ الكامل …

رسالة قداسة البابا فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي الثّاني والثّلاثين للمريض 11 شباط/فبراير 2024“لا يَحسُنُ أَن يَكونَ الإِنسانُ وَحدَه” …