كلمة المطران بولس روحانا النائب البطريركي العام على منطقة صربا في جنازة المرحوم الدكتور سمعان يوسف عساف


كلمة المطران بولس روحانا

النائب البطريركي العام على منطقة صربا

في جنازة المرحوم الدكتور سمعان يوسف عساف

دار رعيّة سيدة غوشريا، يحشوش

الثلاثاء 31 كانون الأول 2013، الساعة الثالثة ب.ظ.

 –          صاحب السيادة، المطران أنطوان نبيل عنداري، النائب البطريركي العام على منطقة جونية السامي الاحترام،

–           حضرة الكهنة والرهبان الأفاضل،

–           زوجة الفقيد السيدة الدكتورة اورسلا نوفاك – عسّاف،

–           شقيقاته، منتهى ونبيهه وجوليات، وعائلاتهنّ من آل عساف وروحانا ولبكي المحترمين،

–           عائلات أشقائه وشقيقاته المرحومين راجي وعبدالله ومختارة وماري تريز من آل خيرالله ولطيف وسعيد ومعوّض ويحشوشي،

–           أصدقاء المرحوم يوسف،

–           أيّها الإخوة والأخوات بالربّ

 باسم صاحب السيادة، راعي الأبرشيّة، وبتكليفٍ مُحِبّ منهُ، أَقِفُ اليوم بينكم راثيًا الصديق الدكتور سمعان يوسف عسّاف، وقد اعتدنا أن نُناديه بعفويّة: “يوسف”. يصعبُ عليّ رثاؤه لسببين أساسيّين. الأوّل، شخصيّ، نظرًا للصداقة الطويلة التي تربط المرحوم يوسف وزوجته اورسلا بجامعة الروح القدس الكسليك التابعةِ للرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة التي لي شَرَفُ الانتماءِ إليها، والمُتمثّلة اليوم في هذه الجنازة ببعض إخوتي الرهبان، وفي البال أيضًا وُجوهٌ رهبانيّة أحبّها وأحبّتهُ وقد سَبَقَتهُ إلى دنيا الحقّ، أخصّ منهم الأباتي بطرس قزّي والأباتي عمانوئيل خوري، والآباء لويس خليفة وإسطفان صقر ولويس الحاج، رحمات الله عليهم. وقد تجسّدت تلكَ الصداقة بين المرحوم يوسف والرهبانيّة والجامعة تعاونًا مُخصبًا في مجالات الثقافة والتنمية والفنِّ حُبًّا بالله وبالإنسان. والسبب الثاني، فكريٌّ هو، بحيث لا يبدو سهلاً الإحاطة بشخصيّة المرحوم يوسف، هو الذي قال عن ذاته: “أنا الطائرُ المغرِّد”، وهو العنوان الذي اختاره للكتاب الذي أصدره بالألمانيّة، في العام 1969، ولاقى حينها رَواجًا كبيرًا. كيف يمكنُني أن أحبسَ “الطائرَ المغرّد” في قفص القوالب الثابتة، دينيَّةً كانت أو ثقافيّة أو إجتماعيّة! شأنُنا مع هذا “الطائر المغرّد” الذي نودّعُ اليوم، هو ألاّ نحتجزَهُ بل أن نستمعَ إلى تغريداته ونَطرَبَ لها إذا أردنا، وقد جاءَت في معظمها تأمّلاتٍ وجدانيّةً بالإله الخالِق وبالدّين والطبيعة والأرض والقيم الإنسانيّة وفي رأسها الحرّيّةُ وكرامةُ الشخص البشري. سأحاول لملمةَ معرفتي المتواضعة بيوسف وبآثاره الأدبيّة، متنقِّلاً من شجرة إلى أخرى ومن غصنٍ إلى آخر، أستمعُ إليه وأُحاكيه، علّني أستطيع ان أنقُلَ إليكم ببعض الوفاء صدى تغريداته، وقد أضعَفَتْ في نهاية المطاف قلبَه الكبير فأسكتَها الموت لتستريحَ، ومعها يوسف، في رحاب الله الذي أحبّ من كلّ كيانه. وكان ذلك مساءَ نهار الأحد الفائت في التاسع والعشرين من كانون الأول. وتبقى هذه التغريدات في قلب محبّيه بين لبنان وألمانيا إرثًا إنسانيًّا رفيعًا ينقلونه باعتِزازٍ إلى الأجيال الطالعة.

 المرحوم يوسف في سطور

وُلِدَ المرحوم يوسف في بلدةِ يحشوش سنة 1938 في عائلة مارونيّة عريقة تكوّنت من تسعة أولاد. بعد أن تلقّى دروسه الأوّليّة في بلدَتِهِ انتقل إلى غزير ثمّ إلى الجمهور حيث أتمّ دراسته الثانويّة ودخل بعدها جامعة القديس يوسف حيث درس الفلسفة واللاهوت ممّا خوّله متابعة دراساته الدينيّة والفلسفيّة حتى الدكتوراه في جامعة استراسبورغ في العام 1967، وكان موضوع أطروحته: “مفهوم الصدقة عند البابليّين والفينيقيِّين وفي والعهد القديم”. وفي اختيار هذا الموضوع، نتبيَّن الهاجسَ الشمولي الذي طبع مسيرة المرحوم يوسف الدينيّة والفكريّة والأدبيّة، منذ حداثَتِهِ حتّى وفاته. وبعد أن علّم اللغة والآداب العربيّة في جامعة فريبورغ وتوبينغن في ألمانيا، تزوّج من شريكة حياته السيدة الفاضلة والدكتورة في علم الإستشراق اورسولا نوفاك. وعادا سويّةً في بداية السبعينيات من القرن المنصرم إلى لبنان ليعملا معًا يدًا بيد في حقل الثقافة، بشراكة إنسانيّة وفكريّة وأدبيّة مثاليّة ومخصبة، من خلال معهد غوته، أو المركز الثقافي الألماني في بيروت. فكانا خيرَ “جسرِ عبور” للثقافتين الألمانيّة واللبنانيّة المشرقيّة، بين لبنان وألمانيا وفي الإتجاهين. وفي ضوء هذه المسيرة الطويلة والغنيّة، أجدُني أتوقّف معكم حول محاور ثلاث من حياة المرحوم يوسف.

 1- يوسف المؤمن بربّه

مَن نُودِّعُ اليومَ كان مؤمنًا صادقًا بربّه وإن يصعُبُ علينا تلمُّس تجلّيات إيمانه في القوالِب الدينيّة المعروفة. في إيمانه عودةٌ إلى زمن البدايات، إلى رحاب الله البعيدة قبل أن تنشأ الديانات المتنازعة فيما بينها حول حقيقة الله، وقبل أن ينزلق الناس في الشرّ المترامي، فتتمكّنَ “قساوةُ القلوب” و”غلاظةُ الرقاب”، وهذه عبارات من البيبليا، من التحكّم بمجرى التاريخ البشري من آدم حتى اليوم. سعى يوسف بتغريداته الدينيّة إلى العودة بالإيمان إلى زمن البدايات، وكأنه يُردّد كلام السيّد المسيح للفرّيسيّين الذين دنوا منه، يجرّبونه في موضوع الطلاق: “لقساوة قلوبكم أَذِنَ لكم موسى أن تُطَلِّقوا نِساءَكم. إنما لم يكن الأمر من البدء هكذا” (متى 19/8). شكّل الحنين عنده إلى زمن البدايات هذا، زمنِ الخلقِ عندما “رأى الله أن كلّ ما صَنَعَهُ هو حسنٌ جدًّا” (تكوين 1/31)، شكّل هذا الحنين بالنسبة إليه تحدّيًا حالمًا وعاصيًا، عاشه بعفويّة الأطفال وحزمِ الأقوياء وجرأتهم. فأبحرَ عكس التيّارات الجارفة، مُعلِنًا إيمانَهُ باللهِ خالِقِ جميع الناس بالكرامة عينها، أساسِ كلّ الحقوق والواجبات بين البشر أجمعين. فكان إيمانُه قاعدةً راسخةً لتكرُّسِه في خدمة الإنسان، “صورة الله ومثاله” حتى اللحظة الأخيرة من حياته.

آمن يوسف بيسوع المسيح، رسولاً من لدُنِ الله وهاديًا ومحرِّرًا، وجاءَ إيمانُه على ثورةٍ صادِقَةٍ لا تهدأ ظَنَّ مِن خلالها أنَّهُ يعودُ إلى صفاءِ وجه يسوع الأناجيل قبل أن يدخل هذا الوجهُ في القوالب الفكريّة والثقافيّة والسياسيّة كما ظهرت في المجتمعات الشرقيّة والغربيّة. فبدلَ أن تتلوّن تلك الثقافات بلفحةِ يسوع الأناجيل المُحيِيَة، إذا بِتلك الثقافات تتحكَّمُ بهذا الوجهِ، غيرَ آبِهةٍ بِما فيه الكِفاية بأنَّ “روحَ الربِّ مَسَحَهُ ليُبَشِّرَ المساكين ويُطلِقَ المقهورينَ أحراراً” (لوقا4/18). وما الكرازة الجديدة التي تدعو إليها الكنيسة اليوم إلاّ دعوة مُلِحّة للعودة بوجه يسوع الأناجيل إلى عُمق المجتمعات لِيَطبعَ النسيجَ الثقافيّ والإنسانيّ فيها. المرحوم يوسف كان مسيحيّاً عاشقاً ليسوع وإن اتّسم عشقُه ببعض الحريّة في نظرته إلى المؤسّسة الكنسيّة وخطابِها الرسميّ. وقد قال فيه الفيلسوف اللبناني جاد حاتم: “ديانتُهُ هي ديانة الحبّ. إنّها مضطرمة بوجه يسوع، ولكن بدون المسيحية. فيوسف يَغرفُ من نبع الإلهام الديني قبل أن يتجمّد هذا الإلهام في العقيدة”[1]. وعلى الرغمِ من موقفِهِ النقديّ حِيالَ المؤسّسةِ الكنسيّة، أحبَّ يوسف كنيستهُ، بَيتَهُ الكبير، فَلَم يُفارِق أروِقَةَ الأديرةِ وحنايا الكنائِس، ولَم يَبخُل عليها يوماً بِأيّ سَعيٍ للحصولِ على مساعداتٍ، ماديّةً كانت أم غير ماديّة، تُطلَبُ منهُ في سبيلِ نهضَتها وإعمارِها، نَظَراً إلى العلاقاتِ المتينَة التي تربطه، هو واورسلا، بالكنيسة في ألمانيا.

 2- يوسف مع اورسلا زوجته، بُناة الجسور بين لبنان وألمانيا

في حياته المهنيّة كمفكِّر ولاهوتي وأديب، كان يوسف مع شريكة حياته اورسلا من “بُناة الجسور” الإنسانيّة والثقافيّة بين لبنان وألمانيا. وتمّ ذلك من خلال عمله الدؤوب في المركز الثقافي الألماني في بيروت، وفي نقله لبعض التراث العربي واللبناني إلى الألمانيّة (أعمال جبران خليل جبران، وأمين الريحانه، وميخائيل نعيمه)، كما وفي نقله لبعض التراث الألماني إلى العربيّة.

على الرغم من نيران المدافع وقطع الطرقات في بيروت وسائِرِ المناطق اللبنانيّة، وما سبّبته الحرب في بلدنا من خيبات أمل لدى الكثيرين بطيب العيش المشترك، ظلّ يوسف شاهدًا “لروحانيّة الجسر”، يواصل عمله كالمعتاد في بيروت، في الوقت الذي رحل فيه المسؤولون الثقافيّون الألمان عن لبنان بسبب الأوضاع الأمنيّة المتردّية. فحافظ وحده على متانة هذا الجسر، يجوب مدن لبنان وبلداته، مُنظّمًا فيها الحفلات الموسيقيّة ومُقيمًا معارض الرسم والأعمال المسرحيّة، مُتّكلاً هذه المرّة لا على الطاقاتِ الفنّيّة الأجنبيّة، بل على الطاقات اللبنانيّة الطالعة،  مُستَنهِضًا إيَّاها بحماسةٍ ورِفقٍ قلّ نظيرهما، تعزيزاً لثقافةِ الحياة عندَ الشباب في وجهِ عوارض الموت والدمار. المرحوم يوسف لم تهزُمه الحرب اللبنانيّة، فظلّ رسولاً لا يهدأ، فالحالِمُ العاصي، كما “الطائرُ المغرِّد لا ييأس، يعرفُ كيف ينتظر وإلى متى ينتظر ولماذا ينتظر، حتى ينقشعَ الظلام وينبلجَ فجرُ الحرّيّة والكرامة. لقد فهم رسالته في هذه الحياة أن يكون جسرًا يعبرُ من خلاله عشّاق الأدب والفكر والحداثة والعقلانيّة المنوّرة بالإيمان، من لبنان إلى ألمانيا ومن ألمانيا إلى لبنان. إنّه بذلك من فاعلي السلام، نرجو له اليوم الطوبى من “رئيس السلام”، ليُحصى في عِداد أبناء الله (متى 5/9).

 3- المرحوم يوسف رَجُلُ المحبّة

المرحوم يوسف كان رَجُلاً مُحِبّاً لله ولأخيهِ الانسان، أمانةً منهُ لوصيّةِ المحبّة التي بها تتعلّقُ التوراة كلّها والأنبياء (متى22/40). وقد وَجَدَت المحبّة في المُعلَّقِ على الصليب ذروةَ تجلّياتها بِحيثُ لا صليبَ بدونِ محبّة، ولا محبّةَ بدون صليب، هو للمدعوّين “قوّةُ الله وحكمتُهُ” (1كورنتس1/24). وفي استحضارنا مسيرةَ المرحوم يوسف، يتبيَّنُ بِسهولةٍ كم كانت المحبّةُ عندَه حجرَ المِحَكِّ لِصِدقِ إيمانِه بربِّهِ وبِقريبِه، عملاً بِتعليم الرسول بولس: “لو كان لِيَ الإيمانُ كلُّهُ حتّى أنقُلَ الجبال ولَم تَكُن فيَّ المحبّة، فَلَستُ بِشَيء” (1كورنتس13/2). عاشَ الإيمانَ المقرونَ بالمحبّة بِشموليّةٍ لا تستثني أحداً، يَنتفِضُ باسمِها على شتّى أنواعِ التمييزِ الإقصائيّ بين الناس، وقد أنتجها البشرُ بِوَفرةٍ باسمِ القوميّات والثقافات والسياسات على اختلاف أنواعها، وأدهى ما فيها أنها تأتي أحيانًا باسم الدّين، فأضحَت لهم كالأصنامِ، صُنعِ أيديهم. في هذا السياق أفهمُ ما قالَهُ المرحوم يوسف يوماً في المحبّة: “وراءَ جدران القلوب زرعتُ كلماتي… المحبَّةُ درعٌ وسلاحٌ تغزو القلوب، تقهر الفاتحين، تُذلّ السلاطين، تُضعِفُ الأقوياء، تُحطِّم التيجان، وتُحرِّرُ الإنسان من قيود الظالمين”[2]. وفي قصيدتِهِ “سنبلة القمح”، ما أجملَ كيف يبدو الآخرونَ عنده خَيارَ المحبّةِ الوحيد، فيُغرِّد قائلاً:

“رافقتُ أخي في الصيف إلى الحقل

ورأيتُ كيف يجمعُ الحصّادونَ السنابل

يقطعونها على أصوات المناجل وأغاني الرعاة

وهي لا تعرفُ الحزنَ واليأسَ والألم.

عَرَفَتْ أنها للغير كانت

وللغير تعملُ وتبقى

دَخَلَتِ الطاحونةَ وخَرَجَت منها دقيقًا

زارت نارَ الأفران وعادت خبزًا وقوتًا

لم تعرف الخوفَ

لم تألفِ الفتورَ

ولم ترأف بالكسل

خَيارُها كان: الآخرون…

طعامَ الناسِ أمسَت

وفرحَ الجائعين باتَت…”[3]

 أمّا اليوم وقد عَبَرَ يوسف إلى الضفة الأخرى من النهر، ها إنّه وصل إلى بيت الآب، خالِقِ السماء والأرض، مصدَرِ إلهامِهِ وتكرّسِهِ، وفي هذا البيت “منازل كثيرة” (يوحنا 14/2). ضُمَّهُ يا ربّ إلى رحمتك، أنتَ “فاحصُ الكلى والقلوب” (إرميا17/10). نُوكِلُه إليكَ ونحن نؤدّي لكَ الشكرَ باسمه على كلّ النِّعَم التي أفضتَها عليه، فأثمرَت على كنيستك بركاتِ محبّةٍ وتضحيةٍ وسلام.

أُرقُد بسلام الربّ أيّها الصديق يوسف، ومعًا أيّها الإخوة، ندعو له بصوتٍ واحد: “لِيَكُن ذِكرُهُ مؤبدًا”. آمين.


[1] Jad HATEM, Les Libans de rêve et de guerre, Cariscript, Paris, 1988 (texte original en français), cité dans Ursula et S. Yussuf ASSAF, 40 ans entre le Liban et l’Allemagne, 1965-2005, Imprimerie St-Paul, Jounieh, Liban, p 92.

[2] Cf Rolf STEHLE, dans Ursula et S. Yussuf ASSAF, 40 ans entre le Liban et l’Allemagne, 1965-2005, Imprimerie St-Paul, Jounieh, Liban, p 9.

[3]  سمعان يوسف عساف، أناشيد الحياة، بيروت 1993، ص 11- 12

شاهد أيضاً

رسالة قداسة البابا  فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي السّابع والخمسين للسّلام الأوّل من كانون الثّاني/يناير 2024 الذّكاء الاصطناعيّ والسّلام …

الإرشاد الرّسوليّ  C’EST LA CONFIANCE الثّقة فقط

للحبر الأعظم البابا فرنسيسالثّقة بحبّ الله الرّحيم في مناسبة الذّكرى المائة والخمسين لولادة القدّيسة تريزا …