التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي أحد بشارة العذراء 22 تشرين الثاني 2015

التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي

أحد بشارة العذراء 22 تشرين الثاني 2015 (لو 1: 26-38)

 العائلة في قلب تصميم الله                                          

بعد البشارة لزكريا بمولد يوحنا، كانت البشارة لمريم العذراء بأنّ منها يأخذ إبن الله جسدًا بشريًا. هو إله يولد في عائلة بشريّة لكي يقدّس العائلة، ولكي يتهيّأ فيها لعيش كلّ أبعاد إنسانيّته، ويحقّق رسالة الفداء. وهكذا جعل من العائلة “كنيسة بيتية” للصلاة، ونقل الايمان من جيل إلى جيل، والإصغاء لصوت الله واكتشاف إرادته. إنّها في قلب تصميم الله.

أوّلاً، شرح نصّ الإنجيل

من إنجيل القديس لو 1: 26-38

     قالَ لوقا البَشِير: في الشَهْرِ السَادِس، أُرْسِلَ المَلاكُ جِبْرَائِيلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِلى مَدِينَةٍ في الجَلِيلِ اسْمُهَا النَاصِرَة، إِلى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاودَ اسْمُهُ يُوسُف، واسْمُ العَذْرَاءِ مَرْيَم. ولَمَّا دَخَلَ المَلاكُ إِلَيْهَا قَال: «أَلسَلامُ عَلَيْكِ، يَا مَمْلُوءَةً نِعْمَة، الرَبُّ مَعَكِ!». فاضْطَربَتْ مَرْيَمُ لِكَلامِهِ، وأَخَذَتْ تُفَكِّرُ مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هذا السَلام! فقَالَ لَهَا المَلاك: «لا تَخَافِي، يَا مَرْيَم، لأَنِّكِ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ الله. وهَا أَنْتِ تَحْمِلينَ، وتَلِدِينَ ابْنًا، وتُسَمِّينَهُ يَسُوع. وهُوَ يَكُونُ عَظِيمًا، وابْنَ العَليِّ يُدْعَى، ويُعْطِيهِ الرَبُّ الإِلهُ عَرْشَ دَاوُدَ أَبِيه، فَيَمْلِكُ عَلى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلى الأَبَد، ولا يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَة!».

     فَقالَتْ مَرْيَمُ لِلمَلاك: «كَيْفَ يَكُونُ  هذَا، وأَنَا لا أَعْرِفُ رَجُلاً؟». فأَجَابَ المَلاكُ وقالَ لَهَا: «أَلرُوحُ القُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وقُدْرَةُ العَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، ولذلِكَ فالقُدُّوسُ المَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ الله! وهَا إِنَّ إِلِيصَابَاتَ نَسِيبَتَكِ، قَدْ حَمَلَتْ هيَ أَيْضًا بابْنٍ في شَيْخُوخَتِها. وهذَا هُوَ الشَهْرُ السَادِسُ لِتِلْكَ الَّتي تُدْعَى عَاقِرًا، لأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى اللهِ أَمْرٌ مُسْتَحِيل!». فقَالَتْ مَرْيَم: «هَا أَنا أَمَةُ الرَبّ، فَلْيَكُنْ لِي بِحَسَبِ قَوْلِكَ!». وانْصَرَفَ مِنْ عِنْدِها المَلاك.

 1. مريم بنت الناصرة، اختارها الله في سرّ تدبيره، لتكون أم ابنه المتأنس، من دون أي استحقاق منها أو معرفة. اختارها في سرّه المكتوم منذ الدهور؛ وحقّق الاختيار في لحظة تكوينها في حشا أمها حنّة زوجة يواكيم، إذ عصمها من الخطيئة الأصليّة المتوارثة من أبوَينا الأوّلَين، آدم وحواء، لتكون هيكلاً للقدوس؛ وأعلن هذا الاختيار لمريم على لسان جبرائيل الملاك الذي أرسله الله إليها، بعد البشارة لزكريا بستّة أشهر.

هذا كلّه يعني أنّ الله هو سيّد التاريخ، ويحقّق تصميمه الخلاصي في مجرى تاريخ البشر. ويعني أيضًا أنّ العائلة هي في صميم التدبير الإلهي.

2. كانت مريم عذراء مخطوبة ليوسف. بعد البشارة أصبحت أمًّا وعذراء: هي عذراء قبل الولادة وبعدها؛ عذراء قدّمت ذاتها لله عطيّة، وتكرّست لخدمة تصميمه الخلاصي، ولخدمة الكلمة المتجسّد منها بالروح القدس. وهي أمٌّ قامت تجاه يسوع بكلّ واجبات الأمومة، إذ وهبته جسدها وروحها، قلبها وعقلها وإرادتها. مريم هي بذلك صورة الكنيسة العذراء والأمّ التي تلد بنين روحانيِّين لله بقوة الروح القدس، على ما يقول القديس أمبروسيوس، ويعلّم آباء الكنيسة من بعده. كما مريم هي عروسة الروح القدس، كذلك الكنيسة أيضًا عروسته.

أكّد آباء المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني هذه الحقيقة بالعودة إلى القدّيس أمبروسيوس: مريم أمّ الإله هي صورة الكنيسة على صعيد الإيمان والمحبة والاتّحاد الكامل بالمسيح. بالإيمان والطاعة ولدت مريم إبن الله على الأرض. والكنيسة تقتدي بمريم: فبسماعها كلمة الله والتأمل فيها وتتميم إرادة الآب بأمانة، تصبح هي أيضًا أمًّا، ذلك أنها بالكرازة والمعمودية تلد لحياة جديدة الأبناء الذين “حبلت” بهم بفعل الروح القدس، ووُلدوا من الله. لكنّها في الوقت عينه عذراء تحفظ بالكمال والنقاوة الإيمان المُعطى لها من عريسها، يسوع. ويضيف القدّيس أمبروسيوس أنّ الكنيسة اقتداءً بمريم أمّ سيّدها وبقوّة الروح القدس، تحفظ الإيمان كاملاً والرجاء ثابتًا والمحبة مخلصة (راجع الدستور العقائدي في الكنيسة، 63-64).

3. كانت مريم مخطوبة ليوسف. زواجها منه هو المرتكز القانوني لأبوّته. فالله إنما اختار يوسف زوجًا لمريم ليضمن ليسوع حضورًا أبويًّا ويكون على علاقة أقرب ما يمكن من المسيح. وهكذا تمرّ أبوّته عبر زواجه من مريم، أي عبر الأسرة. ومع التأكيد الصريح أن يسوع تكوّن بفعل الروح القدس، وأنّ بتولية مريم في هذا الزواج ظلّت مصونة، فالإنجيليّون يسمّون يوسف زوج مريم، ومريم زوجة يوسف (متى 1: 16، 18-20 و24؛ لو 1: 27؛ 2: 5)، ويسوع إبن يوسف ومريم (يو 1: 45). فكانت لكلا الوالدين سلطة الأبوّة والأمومة كاملة (راجع الإرشاد الرسولي للبابا يوحنا بولس الثاني، حارس الفادي، 7).

4. العائلة هي في قلب تصميم الله. هذا الموقع أعاد إليه يسوع إبن الله كماله، عندما أتى إلى العالم عبر عائلة. في سنواته الثلاثين من حياة خفيّة في الناصرة، رأى يسوع في مريم ويوسف الأمانة المعاشة للحبّ. ودشّن حياته العامّة بآية تحويل الماء إلى خمر فائق الجودة في عرس قانا (راجع يو 2: 1-11). لقد أعلن إنجيل الزواج كملء للوحي الذي يستعيد تصميم الله الأساسي وهو أن يتّحد الرجل بإمرأته، فيصير الاثنان واحدًا. ولا مجال أن يفرّق الانسان ما جمعه الله (راجع متى 19: 4-6).

في أساس تصميم الله، خلق الإنسان ذكرًا وأنثى وجمعهما في الزواج كصورة منظورة لوجهه غير المنظور. هكذا نقرأ في سفر التكوين: “خلق الله الانسان على صورته ومثاله: ذكرًا وانثى خلقهما وباركهما وقال:”انميا وأكثرا واملآ الارض” (تك 1: 26). العائلة هي صورة الله الذي هو في سرّه الاعمق أبوّة وبنوّة، وجوهر العائلة الذي هو الحبّ (البابا يوحنا بولس الثاني، عظة في 28 كانون الثاني 1979). الله شركة أشخاص. في المعمودية أعلن صوت الآب يسوع كإبن حبيب. وفي هذا الحبّ أُعطينا أن نعرف الروح القدس (راجع مر 1: 10-11).

5. يسوع، الذي صالح بنفسه كلّ شيء، وافتدى الانسان من الخطيئة، إنما أعاد الزواج والعائلة إلى صيغته الأصلية من جهة، ورفع الزواج علامة أسرارية لحبّه للكنيسة من جهة ثانية (راجع متى 19: 1-2؛ مر 1-: 1-12؛ أفسس 5: 21-32). وهكذا، في العائلة البشرية، التي جمعها المسيح في عائلة الناصرة، أُعيدت “صورة الثالوث الأقدس ومثاله” (راجع تك 1: 26). من هذا السرّ الإلهي ينبع كل حبّ حقيقي، ويصبح الزواج والعائلة شاهدين لإنجيل محبة الله (التقرير النهائي لسينودوس الأساقفة الروماني، 37-38).

حيّا الملاك مريم قائلًا: “إفرحي، يا ممتلئة نعمة، الربّ معكِ” (لو1: 28). أصبح اسم مريم “الممتلئة نعمة”. ويعني امتلاءها من المسيح. فهي حاضرة في سرّه منذ ما قبل إنشاء العالم، وهي التي ميّزها الآب بنعمة خاصّة، فاختارها أمًّا لابنه المتجسّد، واختارها أيضًا الابن، في آنٍ مع الآب واستودعها منذ الأزل روح القداسة.

تسمية “الممتلئة نعمة” تعني كلّ المواهب الفائقة الطبيعة التي أغدقها الله على مريم باختيارها وإعدادها لتكون أمًّا للمسيح (رسالة البابا يوحنا بولس الثاني العامّة: أم الفادي، 8-9).

7. مضمون بشارة الملاك لمريم يحتوي على حقائق أساسيّة تنطلق من عمل الله فيها، إذ جعلها هيكل مجده، آخذًا منها جسدًا ليقود الجنس البشري إلى المجد: إنّها مدعوّة لتكون أمًّا، لكنّها تبقى عذراء. الطفل الذي تحمله في بطنها هو ابن الله وابن الإنسان معًا. اسم يسوع يشير إلى أعماله، كونه سيخلّص البشر من خطاياهم ويعيد خلق العالم إلى بهائه الأوّل، فمَن تحمله مريم في حشاها ليس إلّا خالق كلّ شيء. الروح القدس الذي يحلّ على مريم ويجعلها حبلى بيسوع، يرمز أيضًا إلى حياتنا الجديدة وإلى تجديد البشرية. فماء المعمودية هو مثل رحم العذراء.

*    *    *

ثانيًا، أوصاف مريم في طلبتها

 نتأمّل اليوم في ثلاثة أوصاف لتسميتها إناءً:

 1.   يا إناءً روحيًّا

هذا الوصف يعني أنّ مريم هي هيكل الروح القدس الذي جعلها هيكلًا روحيًّا لله الواحد والثالوث، هي فيه ابنة الآب وأمّ الابن وعروسة الروح القدس. لقد انقادت بقوّة الروح القدس إلى تكريس ذاتها للربّ في هيكل أورشليم، حين بلغت سنّ الثالثة. قدّمت ذاتها لله بوحي من الروح القدس الذي يملأ كيانها، فيما كان الله في سرّ تدبيره قد سبق وكرّسها له، مذ عصمها من الخطيئة الأصلية في اللّحظة الأولى لتكوينها في حشا أمّها. وبذلك هي مثال المكرَّسين والمكرّسات وقدوتهم، مثال الطهر لجميع الناس.

 2.   يا إناءً مكرّمًا

هذا الوصف يعني أنّ في مريم تجلّى مجد الله، فهي سكناه المملوء مجدًا. مجّدها الملاك بتسميتها “الممتلئة نعمة”. ومجّدتها وكرّمتها اليصابات لمّا دعتها “مباركة بين النساء” وحيّتها “بأمّ ربّي”. وتنبّأت مريم أن “جميع الأجيال ستطوّبها، لأنّ القدير صنع فيها العظائم”. مريم مكرّمة لأنّها تكتنز النِّعم السماوية كأمٍّ وتوزّعها على أبنائها وبناتها المؤمنين الملتجئين إليها. إنّها تكتنز كنز الكنوز يسوع المسيح الذي تُظهر لنا وجهه، فيما نبتهل إليها قائلين: “وأرينا بعد هذا المنفى ثمرة بطنك يسوع”. نحن مدعوّون بدورنا لتكريمها بأفعالنا الصالحة، ومبادراتنا الحسنة، وبتلاوة ورديتها، جاعلين منها ورود حبّ.

3.   يا إناءَ العبادة الجليلة

هذا الوصف يعني أن كلّ كيان مريم عبادةٌ لله كاملة. فيها تتحقّق بملئها كلمة بولس الرسول: “إنّ لنا في الله الحياة والحركة والوجود” (أعمال17: 28). كلّ حياة مريم، منذ اللَّحظة الأولى لتكوينها في حشا أمّها حتى انتقالها بالنفس والجسد إلى مجد السماء، إنّما هي مطبوعة بالحضور الإلهي. ولذا، كيانها كلُّه عبادة لله. العبادة التكريمية منّا لمريم الكلّية القداسة إنّما تهيّئ وتخدم بشكل مميّز عبادة السجود للآب والابن والروح القدس. تتمّ هذه العبادة التشفُّعية لمريم في أعيادها الليتورجيّة، وصلاة السلام الملائكي، والمسبحة الوردية التي هي بأسرارها الأربعة مختصر كلّ الإنجيل (كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 971).

*    *    *

صلاة

أيّها الربُّ يسوع، في البشارة لمريم انبثق على العالم فجر جديد، هو أنت الإله الذي صار بشرًا لخلاصنا. فبدأتَ الخلاص في العائلة البشرية بولادتك في عائلة من الناصرة. لقد كشفتَ لجميع الشعوب أن العائلة مؤسّسة إلهية، هويّتها أنّها صنع الله مباشرة، ورسالتها أن تكون صورته التي تعكس وجهه، ولاسيّما وجه محبّته ورحمته وجودته وعنايته. وعلّمتَنا أنّ في العائلة المؤمنة والمصلّية يتجلّى تصميم الله على أشخاصها.

ويا مريم، الإناء الروحي والمكرّم وإناء العبادة الجليلة، ساعدينا لكي نكون بدورنا هيكل الروح القدس، وسكنى مجد الله، وفعل عبادة دائم نؤدّي فيه التسبيح والشكران للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.

*    *    *

شاهد أيضاً

رسالة قداسة البابا  فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي السّابع والخمسين للسّلام الأوّل من كانون الثّاني/يناير 2024 الذّكاء الاصطناعيّ والسّلام …

الإرشاد الرّسوليّ  C’EST LA CONFIANCE الثّقة فقط

للحبر الأعظم البابا فرنسيسالثّقة بحبّ الله الرّحيم في مناسبة الذّكرى المائة والخمسين لولادة القدّيسة تريزا …