التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي عيد الميلاد المجيد 2015

التنشئة المسيحية لغيطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي

عيد الميلاد المجيد (لو 1: 39-45) الجمعة 25 كانون الأوّل 2015

نور المسيح يبدد ظلمات الحياة

 هو ملء الزمن بعد مسيرة طويلة من تاريخ البشر، بدأت منذ الخلق والخطيئة الأولى، حيث ابن الله يصبح إنسانًا، فيولد في بيت لحم من عائلة بتولين يوسف ومريم بقوّة الروح القدس، هي أصلًا من الناصرة. بميلاده كان إشراق النور السماوي في ظلمات حياة الدنيا، حقيقةً ومحبة وسلامًا. وظهر مجد الله في تحقيق تصميمه الإلهي، أي خلاص العالم وفداء كلّ إنسان. هذه البشرى السعيدة أعلنها الملاك لرعاة بيت لحم، وعمّت الأرض كلّها.

 أوّلاً، شرح الإنجيل

من إنجيل القديس لو 1: 26-38

 في تِلْكَ الأَيَّام، صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أَغُوسْطُسَ قَيْصَرَ بِإِحْصَاءِ كُلِّ المَعْمُورَة. جَرَى هذا الإِحْصَاءُ الأَوَّل، عِنْدَمَا كانَ كِيرينيُوسُ والِيًا على سُورِيَّا. وكانَ الجَمِيعُ يَذهَبُون، كُلُّ واحِدٍ إِلى مَدِينَتِهِ، لِيَكْتَتِبوا فِيهَا. وَصَعِدَ يُوسُفُ أَيضًا مِنَ الجَلِيل، مِنْ مَدينَةِ النَّاصِرَة، إِلى اليَهُودِيَّة، إِلى مَدينَةِ دَاوُدَ الَّتي تُدْعَى بَيْتَ لَحْم، لأَنَّهُ كَانَ مِن بَيْتِ دَاوُدَ وعَشِيرَتِهِ، لِيَكْتَتِبَ مَعَ مَرْيَمَ خِطِّيبَتِهِ، وهِيَ حَامِل. وفِيمَا كانَا هُنَاك، تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِد، فوَلَدَتِ ٱبنَهَا البِكْر، وَقَمَّطَتْهُ، وأَضْجَعَتْهُ في مِذْوَد، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ في قَاعَةِ الضُّيُوف. وكانَ في تِلْكَ النَّاحِيَةِ رُعَاةٌ يُقِيمُونَ في الحُقُول، ويَسْهَرُونَ في هَجَعَاتِ اللَّيْلِ على قُطْعَانِهِم. فإِذَا بِمَلاكِ الرَّبِّ قَدْ وقَفَ بِهِم، ومَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ حَولَهُم، فَخَافُوا خَوفًا عَظِيمًا. فقالَ لَهمُ المَلاك: «لا تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِلشَّعْبِ كُلِّهِ، لأَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ ٱليَوْمَ مُخَلِّص، هُوَ ٱلمَسِيحُ الرَّبّ، في مَدِينَةِ دَاوُد. وهذِهِ عَلامَةٌ لَكُم: تَجِدُونَ طِفْلاً مُقَمَّطًا، مُضْجَعًا في مِذْوَد!». وٱنْضَمَّ فَجْأَةً إِلى المَلاكِ جُمْهُورٌ مِنَ الجُنْدِ السَّمَاوِيِّ يُسَبِّحُونَ ٱللهَ ويَقُولُون: أَلمَجْدُ للهِ في العُلَى، وعَلى الأَرْضِ السَّلام، والرَّجَاءُ الصَّالِحُ لِبَني البَشَر. ولَمَّا ٱنْصَرَفَ ٱلمَلائِكةُ عَنْهُم إِلى السَّمَاء، قالَ الرُّعَاةُ بَعْضُهُم لِبَعْض: «هيَّا بِنَا، إِلى بَيْتَ لَحْم، لِنَرَى هذَا ٱلأَمْرَ الَّذي حَدَث، وقَد أَعْلَمَنا بِهِ الرَّبّ». وجَاؤُوا مُسْرِعِين، فوَجَدُوا مَرْيمَ ويُوسُف، والطِّفْلَ مُضْجَعًا في المِذْوَد. ولَمَّا رَأَوْهُ أَخبَرُوا بِالكَلامِ الَّذي قِيلَ لَهُم في شَأْنِ هذَا الصَّبِيّ. وجَمِيعُ الَّذِينَ سَمِعُوا، تعَجَّبُوا مِمَّا قَالَهُ لَهُمُ الرُّعَاة. أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ هذِهِ الأُمُورَ كُلَّهَا، وتتَأَمَّلُهَا في قَلْبِهَا. ثُمَّ عَادَ الرُّعَاةُ وهُمْ يُمَجِّدُونَ اللهَ ويُسَبِّحُونَهُ على كُلِّ ما سَمِعُوا ورأَوا، حَسَبَما قِيْلَ لَهُم.

 1. يسوع مخلّص العالم الذي ولد في بيت لحم يتسجّل في دائرة نفوس الأمبراطورية الرومانية، العالم المعروف آنذاك على وجه الأرض. لهذا الحدث الإداري مغذاه اللاهوتي.

تسجيله رسميًّا باسم “يسوع ابن يوسف الناصري” (يو1: 45)، يعلن بوضوح انتماء ابن الله المتجسّد إلى الجنس البشري، إنسانًا بين الناس، من سكّان هذا العالم، خاضعًا للشريعة وللمؤسسات المدنيّة، لكي يخلّص كلّ إنسان ويفتدي العالم. “إنّه يُحصى مع الجميع ليقدّس جميع البشر، ويُدوَّن في سجلّ النفوس مع العالم كلّه ليُنعم على المسكونة بأن تحيا متّحدة به، ولكي يُسجِل في سجلّ السماء كلّ الذين يؤمنون به” (أوريجانس في الإرشاد الرسولي “حارس الفادي” للبابا يوحنا بولس الثاني، 9).

2. مولده في بيت لحم، وفيما أبوه يوسف وأمّه مريم هما من الناصرة، تحقيق لنبوءة ميخا: “وأنت يا بيت لحم، أرض يهوذا، لستِ أصغر ولايات يهوذا، فمنكِ يخرج الوالي الذي يرعى شعبي” (ميخا: 1؛ صم5: 2). هذه النبوءة، التي كُتبت ما بين سنة 750 و687 قبل المسيح، تعني أنّ الله يمتلك مسار تاريخ البشر، ويتدخّل ويتجلّى سرُّ تدبيره الخلاصي في الزمن واليوم الذي يشاء.

3. ومولده في مذود، في ظروف مذلّة بشريًّا، كان علامة ناطقة “لتجرّده” الذي وصفه بولس الرسول في رسالته إلى أهل فيليبي: “الإله يُخلي ألوهيّته، ويصير إنسانًا مثل كلّ الناس، يأخذ صورة الخادم، ويطيع إرادة الآب حتى الموت على الصليب. لقد ارتضى كلّ ذلك حرًّا لكي يفتدي كلّ إنسان بمغفرة خطاياه. والآب في المقابل رفعه إلى أعلى مجد السماء واعطاه اسمًا يفوق جميع الأسماء، فتسجد له كلّ ركبة، ويعترف به كلّ لسان أنّ المسيح ربّ” (راجع فيل2: 5-8).

 كان المذود علامة لتواضعه ونهج البساطة الذي اعتمده. إنه يدعونا للتشبه به، لكي نعرف الله وننفتح على كل إنسان كبير وصغير. وكان المذود، حيث الطفل علامة معطاة من الملاك للرعاة (الآية 12) علامة محبة الله الذي أخذ ضعفنا وألمنا وهمومنا ومحدوديتنا، لكي يحوّلها إلى قوة إيمان ورجاء ومحبة. وكان بالتالي علامة حنان الله.

4. بلغت بشرى ميلاده السعيدة رعاة بيت لحم البسطاء الأمّيّين، بفم الملاك الذي بشّرهم “بالفرح العظيم الذي يكون للعالم كلّه، هو ميلاد المخلّص، المسيح الربّ. تقبّل الرعاة البشرى فآمنوا وساروا في الليل على هدي النور الساطع، فوجدوه في المذود كما أنبأهم الملاك. أخبروا يوسف ومريم بما سمعوا وما شاهدوا، ومريم ويوسف كانا يحفظان كلّ ذلك في قلبيهما، كسبب فرح من جهة، وكقوّة لما سيحدث لهما من ألم من جهة ثانية في مراحل حياة يسوع. ورجع الرعاة البسطاء مملوئين فرحًا وسعادة، وهم يسبّحون الله كصدى لتسبحة الملائكة.

 5. البشرى إياها بلغت رجال العلم والمعرفة، مجوس بلاد فارس العلماء بعلم الفلك. بلغتهم من خلال قراءة حركة النجوم في سمائهم، وأدركوا أن ملكًا جديدًا قد ولد في نواحي أورشليم. فآمنوا وجاؤوا حاملين الهدايا النبويّة: الذهب للملك، والبخور للكاهن، والمرّ للفادي (راجع متى 2: 1-11). يسوع الإله المتجسّد، كنز العلم والمعرفة من دون حدود، عرفه وآمن به أصحاب العلم.

الرعاة آمنو بسماع بشرى الملاك، والمجوس آمنوا بمعرفة العقل والعلم. ما يعني أن الوحي الإلهي وعلم البشر جناحان يبلغ بهما الانسان إلى الايمان ومعرفة الله.

 6. أما هيرودس الملك الذي وصلته البشرى على يد المجوس، وتأكدت له من رؤساء الكهنة وكتبة الشعب، وقد كشفوا له النبوءة عن مولد المسيح في بيت لحم (راجع متى 2: 2-6)، فلم يقبل البشرى، بل رأى فيها ولادة عدوّ ينافسه على كرسي الملك، فاستباح، من أجل الحفاظ على كرسيّه، قتل جميع أطفال بيت لحم من عمر سنتين فما دون، من دون أية رحمة أو شفقة (راجع متى 2: 16-18).

كم من هيرودس اليوم يقتلون اطفالاً في بطون امهاتهم أو بقنابل الحروب أو بسلاح الإرهاب، أو بالاعتداء عليهم وعلى كرامتهم بشتى الطرق، أو بتجويعهم ورميهم على طرقات البؤس والتسوّل.

كم من هيرودس اليوم، من أجل السعي إلى السلطة أو من أجل الاحتفاظ بها عن غير وجه حق، يستبيحون تعطيل مؤسسات الدولة الدستورية، ومؤسساتها العامة. يسلبون المال العام ويُفقرون المواطنين. يفرطون في استعمال سلطتهم لتعطيل الاقتصاد والانماء واقحام القوى الحية على الهجرة، وافراغ البلاد من مقوّماته البنّاءة.

 7. عند ميلاد ابن الله انسانًا “أشرق مجدُ الرب في قلب ظلمة الليل” (الآية 9). هو المسيح – النور الذي يخرق الظلمات: يمحي الكآبة والحزن واليأس، ويحرر أسرى الذات وأسرى البشر والايديولوجيات. نوره يُشعل الايمان، وينعش الرجاء. فتمّت نبوءة آشعيا:”الشعب السالك في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا، وعلى الساكنين في بقاع الظلام أشرق عليهم نور” (أش 9: 1).

كل ظلمة في الحياة تتبدد بنور شخص المسيح وبكلام انجيله وبآياته، وبتعليم كنيسته. إن نوره في انتظارنا، في انتظار كل واحد وواحدة منا يضع ذاته تحت نوره، وعلى دربه. لا يستطيع المسيح أن ينكر ذاته، وقد قال عن نفسه:”أنا نور العالم. من يتبعني لا يمشي في الظلام، بل يكون له نور الحياة” (يو 8: 12).

 8. المسيحيون في لبنان وبلدان الشرق الأوسط مدعوون لينيروا وطنهم بنور انجيل المسيح، نور الحقيقة والمحبة، نور الإخاء والسلام، نور العدالة وقدسية الحياة وكرامة الشخص البشري. بهذا المعنى قال قداسة البابا فرنسيس:”شرق أوسط من دون مسيحيين فاعلين يكون مشوهًّا ومبتورًا” (راجع خطابه إلى السلك الديبلوماسي المعتمد لدى الفاتيكان في 12 كانون الثاني 2015).

إننا بقوة إنجيل المسيح، ندين الحرب والارهاب والتعصب والقتل باسم الدين والتمييز الديني والعنصري. ونطالب بالمصالحة والحوار والتفاهم بين المتنازعين على قاعدة الحقيقة والعدالة وحقوق الانسان. ونطالب الأسرة الدولية والحكام المحليين بإيقاف الحرب، وإيجاد الوسائل السياسية والسلمية لإحلال سلام عادل وشامل ودائم، وبإعادة جميع النازحين والمهجرين والمخطوفين إلى بيوتهم وممتلكاتهم. ونطالب باحترام حقّ الشعوب في تقرير مصير أوطانهم والإصلاحات الدستورية، من دون تدخلات خارجية تفرض عليهم ما لا يرغبون به.

*   *   *

ثانيًا، ألقاب العذراء مريم في طلبتها

نواصل التأمل في مواصفات لقب مريم “سلطانة” في طلبتها، بعد أن تأملنا في ثلاثة: سلطانة الملائكة، والآباء، والأنبياء.

4. يا سلطانة الرسل

اتّخذ الرسلُ مريم كأم لهم، من بعد أن سلّمهم يسوع لأمومتها بشخص يوحنا الحبيب من على الصليب (يو 19: 25-27) فكانت أمهم وسلطانتهم. وكانوا يتحلقون حولها، وبخاصة يوم العنصرة عندما حلّ عليها وعليهم الروح القدس الذي جعلهم كنيسة، وجعل مريم أم الكنيسة وملكتهم (راجع أعمال 1: 12-14؛ 2: 1-4). وعند نياحتها شهدوا انتقالها بالنفس والجسد إلى مجد السماء، لتتوّج إلى جانب إبنها ملكة السماء والأرض، جالسة من عن يمينه.

 5. يا سلطانة الشهداء

شاركت مريم ابنها+ يسوع في كل آلامه المعنوية من اليهود، وآلامه الحسّية في جوعه وعطشه وسيره على دروب فلسطين، وفي آلام بستان الزيتون والموت على الصليب. ولذا اعتبرتها الكنيسة “شريكة الفداء”. وبهذه الصفة تعلو جميع الشهداء، وتُلقب “بسلطانتهم”.

 6. يا سلطانة المعترفين

لم تكن مريم أم يسوع شهيدة الدم، بل شهيدة الايمان والرجاء والمحبة التي عاشتها ببطولة. وهي بهذه الصفة تفوق جيمع الذين آمنوا بالمسيح، وشهدوا له بحياتهم، وماتوا برائحة القداسة. عاشت مريم مثلهم وماتت، لكن جسدها لم يرَ فساد القبر إذ نقلها الله إلى مجد السماء بنفسها وجسدها. ولهذا تفوقهم جميعًا، وتلقّب “بسلطانة المعترفين”.

*   *   *

صلاة

أيّها الربّ يسوع، يا ابن الله، لقد تأنّست لتؤلّه الانسان، انحدرت إلى أرضنا لكي ترفعنا إلى سمائك. إمنحنا نعمة الإيمان بك وبسرّ الله في كلّ مرّة نسمع ما توحيه لنا بكلامك وبتعليم الكنيسة، وفي كلّ علم يفتح عقولنا على أنوار الحكمة الإلهية. فنسير إليك ببساطة الرعاة، ومشقّة المجوس، ونعود إلى مجتمعنا الصغير والكبير حاملين فرحك لكل حزين ومتألّم، وسلامك لكلّ حالة نزاع وخلاف، وعدالتك لكلّ مظلوم.

ويا مريم، سلطانة الرسل والشهداء والمعترفين، أذكي فينا الحرارة الرسولية في مساحات الرسالة، والثبات في الإيمان وسط المحن والشدائد، والأمانة الدائمة في الشهادة للمسيح، نور العالم. فنمجّد معكِ الله الواحد والثالوث الآب والإبن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.

*   *   *

شاهد أيضاً

رسالة قداسة البابا فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي الثّامن والخمسين لوسائل التّواصل الاجتماعيّة الذّكاء الاصطناعيّ وحكمة القلب:للتّواصل البشريّ الكامل …

رسالة قداسة البابا فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي الثّاني والثّلاثين للمريض 11 شباط/فبراير 2024“لا يَحسُنُ أَن يَكونَ الإِنسانُ وَحدَه” …