التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الاحد 21 شباط 2016 شفاء المرأة النازفة

التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الاحد 21 شباط 2016

شفاء المرأة النازفة (لوقا 8: 40-48)

يسوع يستكمل عمل التغيير في الانسان. في الأحد الماضي طَهّر الأبرص من قروحه وتشويه جسده وهو مرض مميت، اليوم يوقف، بفيض من رحمته المتنوّعة في كل مكان وعلى كل إنسان، نزيف امرأة تعاني من إصابتها طيلة اثنتي عشرة سنة. إنها تمثّل في جسدها ما يفعل روح الشر وحالة الخطيئة في داخل الانسان. وبعد هذه الآية أقام من الموت ابنة يائيروس. أساس كل هذه الآيات إيمان الانسان بيسوع.

وسنتكلم عن اللقاء التاريخي بين قداسة البابا فرنسيس والبطريرك كيريل بطريرك موسكو وكل روسيا كيريل في هافانا (كوبا)، الجمعة 12 الجاري.

أولاً، شرح نص الانجيل

من إنجيل القديس لوقا 8: 40-48

لَمَّا عَادَ يَسُوع، اسْتَقْبَلَهُ الجَمْع، لأَنَّهُم جَميعَهُم كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ. وَإِذَا بِرَجُلٍ اسْمُهُ يَائِيرُس، وكَانَ رَئِيسَ المَجْمَع، جَاءَ فارْتَمَى عَلَى قَدَمَي يَسُوع، وَأَخَذَ يَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، لأَنَّ لَهُ ابْنَةً وَحِيدَة، عُمْرُها نَحْوُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَى المَوْت. وفِيمَا هُوَ ذَاهِب، كانَ الجُمُوعُ يَزْحَمُونَهُ. وَكانَتِ امْرَأَةٌ مُصَابَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَي عَشْرَةَ سَنَة، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَشْفِيَهَا. دَنَتْ مِنْ وَرَاءِ يَسُوع، وَلَمَسَتْ طَرَفَ رِدَائِهِ، وَفَجأَةً وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا. فَقَالَ يَسُوع: «مَنْ لَمَسَنِي؟». وَأَنْكَرَ الجَمِيع. فَقَالَ بُطْرُسُ وَمَنْ مَعَهُ: «يا مُعَلِّم، إِنَّ الجُمُوعَ يَزْحَمُونَكَ وَيُضَايِقُونَكَ!». فَقَالَ يَسُوع: «إِنَّ واحِدًا قَدْ لَمَسَنِي! فَإنِّي عَرَفْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي!». وَرَأَتِ المَرْأَةُ أَنَّ أَمْرَها لَمْ يَخْفَ عَلَيه، فَدَنَتْ مُرْتَعِدَةً وارْتَمَتْ عَلَى قَدَمَيه، وَأَعْلَنَتْ أَمَامَ الشَعْبِ كُلِّهِ لِماذَا لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ شُفِيَتْ لِلْحَال. فَقَالَ لَهَا يَسُوع: «يا ابْنَتِي، إِيْمَانُكِ خَلَّصَكِ! إِذْهَبِي بِسَلام!».

1. يسوع هو محور حياة الجماعة: الجميع ينتظرونه لأنهم وجدوا فيه تجسيدًا لرحمة الله، في أفعاله وكلماته ومبادراته. كم نحن بحاجة لأن نجعله محور حياتنا الخاصة والعامة، كما هو محور حياتها الليتورجية. إنه مثل الشمس ينير الجميع، ويعطي حرارة وحياة. يكفي أن ننظر إلى الطبيعة، بإنسانها ومخلوقاتها الحيّة والجامدة، لنفهم كلّ هذا.

ألم يقل عن نفسه “أنا هو الطريق والحق والحياة؟” (يو 14: 6)، وبهذا يعني أن الانسان  بدونه في ضياع وفي ضلال وفي حالة موت. وفي سفر الرؤيا:”أنا الألف والياء، البداية والنهاية؟” (رؤيا 21: 6)، ويعني أن الانسان، لكي يجد معنى وجوده، ينبغي أن يمرّ به من حين الحبل به وظهوره في الوجود حتى آخر رمق من حياته.

2. انتظره الجميع، وعند كل واحد حاجة ما. ومن بينهم يائيروس، رئيس المجمع، الذي جاء يلتمس الدخول إلى بيته لشفاء ابنته الصبيّة المشرفة على الموت (لو 8: 41-42)؛ وامرأة مصابة بنزيف لم تلتمس الشفاء مباشرة بل بقرار إيماني “إنها إذ لمست طرف ردائه تشفى” (لو 8: 44).

يسوع، بوافر حنانه ورحمته، أقام الابنة بعد موتها بكلمة منه وإيمان من يائيروس؛ وشفى المرأة من نزفها، قارئًا إيمانها. يسوع لا يخيّب أبدًا إيمان أي انسان، إنما الإيمان الصادق الذي لا يشوبه شك، والإيمان الصامد الذي لا تزعزعه المصاعب والمحن.

3. لماذا لم تلتمس المرأة شفاءها بشكل مباشر، بل جاءت من وراء يسوع تلمس طرف ردائه؟ لأن شريعة موسى كانت تعتبر أن نزيف الدم المزمن نجاسة مادية وروحية، وبالتالي تُمنع المرأة عن لمس أي شيء في البيت، وعندما تجلس في مكان أصبح نجسًا (أحبار 15: 19-33). فلنتصوّر معاناتها الجسدية والمعنوية: امرأة منبوذة في بيتها وبين عائلتها. أدرك يسوع وجعها وهو الحنون الكلي الرحمة.

كان يعرفها قبل أن تعرفه وتقصده. بمعرفته هذه يعزّي ويشجّع كل واحد وواحدة منا في محنته. أتى وفي خاطره وجعها ووجع يائيروس. هذا هو مصدر إيماننا الكبير الذي ينبغي أن يصبح بفضل الآيتين رجاءً ثابتًا.

4. شفيت المرأة من نزفها بمجرد لمسها طرف ردائه. ويسوع عرف ذلك من دون أن تفوه هي بكلمة. “لماذا اصرّ إذن على معرفة من لمسه؟” (لو 8: 45-46). فلكي يعلن إيمانها الخفي أمام جميع الناس، هو الذي أوصانا بأن نتصدّق على المحتاجين في الخفية، ونصوم في الخفية، ونصلي في الخفية، والآب السماوي الذي يرى في الخفية هو يجازينا، وكونه يعرف حاجاتنا فيستجيب قبل أن نسأله (راجع متى 6: 3-9).

سجدت له المرأة بخوف، واعترفت أمام الشعب لأي علّة لمست طرف ردائه. كانت محرَجة لأنها خالفت شريعة موسى. أما يسوع فأراد أن يشجعها، ويمتدح إيمانها، ويبيّن أنه هو كمال الشريعة:”يا ابنتي إيمانُكِ خلّصكِ، فامضي بسلام” (لو 8: 48). من آية شفائها وآية شفاء الأبرص، وكلاهما خالفا الشريعة من أجل الخير الأكبر، استمدت الكنيسة مبدأها القانوني:”الشريعة السميا هي خلاص النفوس”.

5. إذا أكملنا قراءة النص الانجيلي، لاستكمال طلب يائيروس، وكان يسوع سائرًا معه إلى بيته، حين التقى المرأة النازفة، وتوقف عن السير بسبب ما جرى، نجدنا أمام آية أخرى أعظم من سابقتها، كما يوردها لوقا الانجيلي (8: 49-56).

    وفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّم، وَصَلَ واحِدٌ مِنْ دارِ رَئِيسِ المجمَع يَقُول: «مَاتَت ابنتُكَ! فَلا تُزْعج المُعَلِّم!». وسَمِعَ يَسُوعُ فأَجابَهُ: «لا تَخَفْ! يَكْفي أَن تُؤْمِنَ فَتَحْيَا ابْنَتُكَ!». ولمَّا وَصَلَ إِلى البَيْت، لَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ مَعَهُ سِوَى بُطرُسَ ويُوحنّا وَيَعقُوب وأَبي الصَبِيَّةِ وأُمِّها. وكانَ الجَميعُ يَبْكُونَ عَلَيها وَيَقْرَعُونَ صُدُورَهُم. فقال: «لا تَبْكُوا! إِنَّها لم تَمُتْ. لكِنَّها نائمة!». فأخَذُوا يَضْحَكُونَ مِنْهُ لِعِلْمِهِم بأنَّها ماتَتْ. أَمَّا هُوَ فأَمْسَكَ بِيَدِها ونادَى قائِلاً: «أَيَّتُها الصَبِيَّة، قُومي!». فعادَتْ رُوحُها إِلَيْها، وفَجْأَةً نَهَضَتْ. ثُمَّ أَمَرَ بأَنْ يُطْعِمُوها. فَدَهِشَ أَبَوَاها، وأَوْصَاهُما يَسُوع أَلاَّ يُخْبِرَا أَحَدًا بِما حَدَث.

1. هنا يائيروس لم يطلب شيئًا، سوى أنه بكى بكاءً مرًّا. أما يسوع الرحوم، الغني بالرحمة والمشاعر الانسانية، فقرّر أن يقيم ابنته من الموت. لكنه اكتفى بقول ما هو الاهم:”لا تخف! آمن فقط، وهي تنجو” (الاية 50). ثلاث كلمات هي مفتاح علاقتنا بالله: اللاخوف، الايمان، النجاة.

2. لماذا اختار من بين تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا للدخول معه ومع والدي الميتة إلى حيث هي؟ فلكي يشدّد إيمان هؤلاء الثلاثة بقدرته على الموت، وبأنه سينتصر عليه في قيامته. هم إياهم أخذهم معه إلى الجبل لرؤية تجلّي ألوهيته التي استبق بها مجد قيامته وقيمة آلامه وموته (راجع مرقس 9: 1-7)؛ وإلى بستان الزيتون ليشهدوا ضعفه الانساني، أما هم فخارت قواهم بالرغم من الآيات التي شاهدوها (مر 14: 33-42). الايمان الحقيقي لا يضعف أمام المحنة، بل يقوى ويثبت. هذا ما نودّ قوله لأبناء هذا المشرق المفروضة عليهم كل ويلات الحروب.

بفضل إيمان يائيروس وتسليمه بثقة لرحمة يسوع، أقام الرب ابنته من الموت بكلمة:”يا بنيتي، قومي”. فعادت روحها إليها وقامت من وقتها (لو 8: 54-55).

*   *   *

ثانيًا، اللقاء في هافانا بين البابا فرنسيس والبطريرك كيريل

تمّ اللقاء التاريخي في هافانا (كوبا) في 12 شباط الجاري، فيما البابا فرنسيس في طريقه إلى المكسيك لزيارة راعوية، والبطريرك كيريل في زيارة راعوية لكوبا. أعين العالم كانت مشدودة كلها إلى هذا الحدث التاريخي، لأنه اللقاء الأول بين بابا وبطريرك روسيا. صدر عن اللقاء إعلان طويل مشترك موقّع منهما، تناول جميع المواضيع. ننقل اليوم ما جاء بشأن مسيحيّي الشّرق الأوسط وشمالي أفريقيا، والحروب الدائرة فيهما.

1. يتكلمان في الإعلان عن إبادة عائلات ومدن وبلدان بكاملها، وعن هدم كنائس وسرقتها وتدنيسها عن الهجرة الجماعية من الارض التي بدأ فيها انتشار إيماننا المسيحي، وعاش المسيحيون منذ عهد الرسل إلى جانب جماعات دينية أخرى (الفقرة 8).

2. ويوجّهان النداء إلى الأسرة الدولية لاتخاذ اجراءات ملحّة لمنع اخراج المسيحيين من الشرق الأوسط، ولحماية المضطهدين من مسيحيّين ومن تقاليد دينية أخرى، وهم ضحايا الحرب الأهلية والفوضى والعنف الإرهابي (الفقرة 9).

ويدعوانها لمدّ المساعدات للملايين من النازحين من سوريا والعراق، وهم من دون مأوى وأموال، والحدّ من العنف والارهاب، والعمل على اطلاق سراح المخطوفين ولاسيما مطراني حلب يوحنا ابراهيم وبولس يازجي، منذ نيسان 2013 (الفقرة 10).

3. ويصلّيان إلى المسيح، مخلّص العالم، من أجل إحلال السلام في الشرق الأوسط. والسلام هو “ثمرة العدالة” (أشعيا 32: 17)؛ ومن أجل تشديد روابط العيش المشترك بين مختلف الجماعات المدنية والكنائس والاديان؛ ومن اجل عودة اللاجئين وشفاء الجرحى وراحة نفوس القتلى الأبرياء (الفقرة 11).

4. ويدعوان الأطراف المعنية في النزاعات للجلوس إلى طاولة المفاوضات بكل إرادة حسنة؛ والأسرة الدولية لوضع حدّ للارهاب بافعال مشتركة ومترابطة ومنسّقة؛ والدول الملتزمة بمحاربة الارهاب ليعملوا بمسؤولية وحكمة؛ وكل المسيحيين للصلاة إلى الله خالق العالم كي لا يسمح بحرب عالمية (الفقرة 11).

5. وينحني البابا فرنسيس والبطريرك كيريل أمام استشهاد الذين ضحّوا بحياتهم، شاهدين لحقيقة الانجيل، ومفضّلين الموت على نكران ايمانهم بالمسيح. وأعربا عن إيمانهما بأن دماءهم هي عربون وحدة المسيحيين (الفقرة 12).

6. ثم يعتبران أن الحوار بين الاديان لا غنى عنه في هذا الزمن المقلق. إن الفروقات في فهم الحقائق الدينية ينبغي ألاّ تمنع أصحاب الايمان المختلف من العيش في السلام والاتفاق. فتعود إلى القادة الدينيين مسؤولية خاصة في تربية مؤمنيهم على روح الاحترام للذين ينتمون إلى تقاليد دينية أخرى. لا يمكن إطلاقًا القبول بمحاولات تبرير لأفعال اجرامية، باطلاق شعارات دينية. فلا يمكن أن يُقترف أي جرم باسم الله، “فالله ليس إله اضطراب، بل سلام” (1كور 14: 33) (الفقرة 13).

*      *      *

صلاة

أيها الربّ يسوع، إليك نلجأ بإيمان المرأة النازفة ويائيروس لكي تشفينا من نزيف قيمنا الروحية والأخلاقية والانسانية، الذي تسبّبه خطايانا وشرورنا، ولكي تقيمنا من موت نفوسنا فيما تفقد الحياة الالهية التي سكبتها فينا بالروح القدس بواسطة نعمة الاسرار. اجتذبنا إليك بروح التوبة لنلتمس الغفران الإلهي من خدمة الكنيسة.

نشكرك يا ربّ على اللقاء الذي باركته بين قداسة البابا فرنسيس والبطريرك كيريل، وهبْ جميع المعنيّين القدرة على الالتزام بما يدعوان إليه في الإعلان المشترك.

فنرفع إليك نشيد الشكر والتسبيح، أيها الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.

شاهد أيضاً

رسالة قداسة البابا فرنسيس في مناسبة اليوم العالمي الأوّل للأطفال

25-26 أيّار/مايو 2024 رسالة قداسة البابا فرنسيس في مناسبة اليوم العالمي الأوّل للأطفال 25-26 أيّار/مايو …

رسالة قداسة البابا فرنسيس في مناسبة الزّمن الأربعيني 2024 مِن البرِّيَّة يقودنا الله إلى الحرّيّة

رسالة قداسة البابا فرنسيس في مناسبة الزّمن الأربعيني 2024 مِن البرِّيَّة يقودنا الله إلى الحرّيّة …