التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي – الأحد الرابع من زمن العنصرة 5 حزيران 2016

التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي – الأحد الرابع من زمن العنصرة 5 حزيران 2016  (لوقا 10: 21-24)

التواضع أساس معرفة سرّ الله

زمن العنصرة هو زمن الروح القدس الذي يقود الكنيسة، بمؤمنيها ومؤسساتها، إلى كل الحقيقة التي كشفها الله بالمسيح، الكلمة المتجسد. فهو يعلّمها ويذكّر بها (يو 14: 26). لكن الشرط الأساسي لقبول حقيقة الوحي الإلهي هو التواضع الذي يعني انفتاح العقل والقلب لقبول الكلمة. “فالفهماء والحكماء” تخفى عليهم، أما “الأطفال” فترتسم في قلوبهم.

أولاً، شرح نص الانجيل

من إنجيل القديس لوقا 10: 21-24

قالَ لُوقَا البشير: إِبْتَهَجَ يَسُوعُ بِالرُوحِ القُدُس، فَقَال: «أَعْتَرِفُ لَكَ، يَا أَبَتِ، رَبَّ السَمَاءِ وَالأَرْض، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ  هذِهِ الأُمُورَ عَنِ الحُكَمَاءِ وَالفُهَمَاء، وَأَظْهَرْتَها لِلأَطْفَال. نَعَم، أَيُّهَا الآب، لأَنَّكَ هكذَا ارْتَضَيْت. لَقَدْ سَلَّمَنِي أَبي كُلَّ شَيء، فَمَا مِنْ أَحَدٍ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ الابْنُ إِلاَّ الآب، وَلا مَنْ هُوَ الآبُ إِلاَّ الابْن، وَمَنْ يُريدُ الابْنُ أَنْ يُظْهِرَهُ لَهُ». ثُمَّ التَفَتَ إِلى تَلامِيذِهِ، وقَالَ لَهُم عَلى انْفِرَاد: «طُوبَى لِلْعُيونِ الَّتِي تَنْظُرُ مَا أَنْتُم تَنْظُرُون! فَإِنِّي أَقُولُ لَكُم: إِنَّ أَنْبِياءَ وَمُلُوكًا كَثِيرِينَ أَرادُوا أَنْ يَرَوا مَا أَنْتُم تَنْظُرُون، فَلَمْ يَرَوا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا تَسْمَعُون، فَلَمْ يَسْمَعُوا».

في هذا النص الانجيلي صلاة وسلطان ومعرفة وتطويب.

1. الصلاة: “تهلل يسوع بالروح القدس وهتف إلى أبيه …” (لو 10: 21). رفع يسوع إلى الآب صلاة شكر على نجاح رسالة السبعين تلميذًا، الذين عادوا بفرح عظيم وقالوا: “يا رب، والشياطين أيضًا تخضع لنا باسمك” (الآية 18). وبها علّمنا أن نشكر نحن أيضًا ونسبّح الله على عطاياه وعلى تلبية ما طلبناه منه بدالّة الأبناء. أقرّ السبعون أنهم طردوا الشياطين باسم يسوع، لا باسمهم ولا بقوتهم. وبهذا عبّروا عن شكرهم ليسوع. نحن، غالبًا ما نعزو نجاحنا إلى ذواتنا دون سواها، وننسى عمل النعمة فينا، ويد الله الخفيّة التي كانت تساندنا. إن أجمل صلاة في يومنا، ولاسيما في المساء، هي صلاة الشكر على كل الأعمال الناجحة، لله مع الاستغفار عن كل النواقص.

2. السلطان: “ها أنا أعطيكم سلطانًا …” (لو 10: 19). فكل شيء دُفع إليّ من أبي” (لو 10: 22). إنه سلطان النعمة الإلهية الذي نمارسه بكلمة “باسم يسوع المسيح، المقرونة بالعمل. هذا ما تبيّنه آية شفاء المقعد على يد بطرس عند باب الهيكل: “باسم يسوع المسيح الناصري، قم امشِ” (اعمال 3: 6)، ومقعد آخر على يد بولس: “لك أقول باسم ربنا يسوع المسيح: قم وانتصب على قدميك. فوثب ومشى” (اعمال 14: 10).

“باسم يسوع” نستطيع أن نفعل أمورًا كثيرة مهمة في حياتنا. لنفكّر على سبيل المثال بمؤسّسي الرهبانيات، بأعمال الطوباوي أبونا يعقوب حداد الكبوشي وراهباته ومؤسساته في خدمة كل أنواع الأمراض والاحتياجات، وبانجازات الطوباوية الأم تريزا دي كلكوتا وراهباتها.

عندما أقرّ النبي ارميا بضعفه أمام الله قائلاً: “أيها السيّد الرب. هاءنذا لا أعرف أن أتكلم لأني ولدٌ. أجابه الرب: “لا تقل إني ولد … لا تخف! فإني معك لأنقذك. ثم مدّ الرب يده ولمس فم إرميا وقال: هانذا قد جعلت كلامي في فمك …” (ارميا 1: 6-9).

ولما شكا بولس ضعفه الجسدي أمام الرب والتمس أن يبعده عنه، قال له: “تكفيك نعمتي. لأن قوّتي تكمل بالضعف”. وأضاف بولس: “فأنا الآن افتخر بأمراضي مسرورًا، لتحلّ عليّ قوةُ المسيح” (2كور 12: 7-9).

بقوة سلطان النعمة الإلهية تواصل الكنيسة رسالتها فلا تقوى عليها قوى الشر المرموز إليها “بالحيّات والعقارب وكلّ قوّة العدو” (لو 10: 19). لذلك هي كنيسة الرجاء والقيامة.

 لكن السلطة في الكنيسة هي من الله، لا من الناس. ويجب أن يمارسها الذين أُقيموا فيها بشخص المسيح وبروحه وبوداعته وحزمه، من دون أي افراط أو أي استغلال أو استقواء.

3. المعرفة: “لا أحد يعرف من هو الآب إلا الابن، ومن لو أراد الابن أن يُظهر له” (لو 10: 22). معرفة سرّ الآب والابن نعمة إيمانية من المسيح، ابن الله المتجسد وكلمته الذي قال الله لنا به كلّ شيء. لن تكون كلمة أخرى سواه تكشف لنا سرّ الله وسرّ الانسان. هكذا نقرأ في الرسالة إلى العبرانيين “كلّم الله أباءنا منذ القديم بأنواع شتّى. وفي هذه الأيام الأخيرة كلّمنا بابنه الذي هو ضياء مجده، وصورة جوهره، وضابط الكل بقوة كلمته، وهو باقنومه صنع تطهير خطايانا، وجلس عن يمين العظمة في العلى” (عبرا 1: 1-3).

لن يكون وحي آخر متعلق بتصميم الله الخلاصي، قبل ظهور المسيح الثاني بالمجد. و؟؟؟ كان هذا الوحي كاملاً، لكنه ليس كلّه صريحًا بكماله وتمامه، فيبقى على الإيمان المسيحي أن يلج تدريجيًا إلى عمق معناه على مجرى الأجيال.

أما الإيحاءات الشخصية الفردية التي تحصل، كما في ظهورات العذراء مريم في لورد وفاطيما وسواها، وتقرّ بها الكنيسة، فليست من صلب وديعة الإيمان، لكونها لا تكمّل الوحي النهائي الذي تمّ بشخص المسيح، بل تنير بعض جوانبه. ولهذا تبقى كل هذه الايحاءات خاضعة لتمييز السلطة التعليمية في الكنيسة لاقرارها أو لا (كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 65-67).

وكذلك التقوى والعبادات الشعبية، كالتطوافات وتكريم الايقونات والصور والتماثيل وزيارات الحج التقوي، فيما هي تعابير عن الايمان المسيحي، تبقى مرتبطة بليتورجيا الاسرار. إنها امتداد لها ولا تحلّ محلّها، بل تقود إليها ولاسيما عندما ترتبط الممارسات التقوية بالازمنة الليتورجية. ومعلوم أن ليتورجيا الاسرار تفوقها بكثير.

من واجب رعاة الكنيسة، الاساقفة والكهنة، أن يسهروا عليها بتمييز راعوي من شأنه أن يعززها ويساندها، وأن ينّقيها عند الحاجة من شوائب الافراط، ويصححها لكي تظل في إطار تعليم الكنيسة العقائدي والاسراري، ويساعد المؤمنين على التقدّم والنمو في معرفة سرّ المسيح.

إن ليتورجيا الاسرار والممارسات التقوية الشعبية تقتضي انسجامًا وتناغمًا بين الإلهي والبشري، بين الشركة والمؤسسة، بين الموهبة والطاعة لسلطة الكنيسة، بين الروح والجسد، بين الشخص والجماعة، بين الايمان والاعمال، بين الفهم والمشاعر (كتاب التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1674-1676).

4. التطويب: “طوبى للأعين التي ترى ما ترون” (لو 10: 23). بفضل هذه المعرفة وهذا السلطان نال التلاميذ السبعون، بل كل المؤمنين والمؤمنات الذي ينعمون بالمعرفة والسلطان، الطوبى التي لم تعطَ لأنبياء وملوك كثيرين (الآية 24).

فالمعرفة هي “معرفة محبة المسيح التي تفوق كل المعارف” (أفسس 3: 19). ويقول عنها بولس الرسول أن كل المعارف الأخرى تتبخر أمامها: “تلك التي كانت لي ربحًا، عددتها لأجل المسيح خسرانًا. وإني أعدّها كلّها خسرانًا لعظم معرفة ربي يسوع المسيح، الذي لأجله خسرت كل شيء، وعددته كالنفاية لأربح المسيح وأوجد فيه” (فيل 3: 7-8).

والسلطان هو اختبار نعمة المسيح ومحبته وقدرته ورحمته. السلطان الزمني محصور في ما هو خارج الانسان، أما سلطان المسيح المعطى للكنيسة فيطال باطن الانسان: نفسه وقلبه، عقله وضميره وارادته. هذا السلطان لا يختبره ملوك الارض.

*          *          *

ثانيًا، الارشاد الرسولي “فرح الحبّ” للبابا فرنسيس

 المحبة لا تحسد (الآية 4)

نواصل اوصاف الحبّ في الحياة الزوجية والعائلية، كما يصفه القديس بولس في نشيد المحبة  (راجع 1كور13: 4-8).

الحسد هو نقيض الحب. الذي يريد سعادة الآخر. فكيف يمكن أن نحب السعادة للآخر ونحسده في ما هو عليه من مواهب وخير وصحة ونجاح وعلم. الحسد يؤدّي إلى قتل الآخر كما فعل قايين بأخيه هابيل، وأخوة يوسف ببيعه إلى مصر (أعمال 7: 8)، واليهود ببولس وسيلا (أعمال 17: 5)، وقتلة اسطفانوس رجمًا (أعمال 7: 54-60)، وتسليم يهوذا الاسخريوطي ليسوع.

الحسود يحزن لخير الآخر ونجاحه، ولا يريد إلا خيره الشخصي دون سواه. الحب يرفعنا فوق ذواتنا، بينما الحسد يغلقنا على ذواتنا. الحب الحقيقي يقدّر انجازات الغير ونجاحاته واعماله. الحب لا يرى في الآخر تهديدًا وخطرًا، بل يقرّ أن لكل واحد مواهبه المختلفة وطريقًا خاصًا في الحياة. فيجاهد كي يكتشف سبيله الخاص إلى السعادة، تاركًا الآخرين يبحثون عن سبيلهم (فقرة95).

المحبة لا تتباهى (1لور 13: 4).

الحب الحقيقي لا يؤخذ بالمجد الباطل والتعالي. لا يتكلم عن نفسه، بل يقيّم الآخرين، ولا يريد أن يكون محور الانتباه. لا يسكر بعلمه أو ماله أو مكانته. “فالعلم ينفخ والحب يبني” (1كور 8: 1). ما يجعلنا كبارًا حقًا هو الحب الذي يفهم الضعيف ويعتني به ويحوط به. القديس بولس ينتقد “الحكماء بعين أنفسهم، لأن حكمتهم عند الله جهالة” (1كور 3: 18-20) (القرة 97).

الحب الحقيقي هو المطبوع بالتواضع الذي به نتفهّم الآخر، ونسامحه، ونخدمه من كل القلب: “من أراد أن يكون بينكم الأول، فليكن للجميع خادمًا” (متى 20: 27). هذا هو منطق الحب المسيحي. التسلط في الحياة الزوجية والعائلية يهدمها.

يوصينا القديس بطرس الرسول: “توشّحوا بتواضع الضمير، بعضُكم تجاه بعض. لأن الله يقاوم المتكبرين، وينعم على المتواضعين (1بطر 5: 7) (الفقرة 98).

*          *          *

صلاة

أيها الرب يسوع، علّمتنا صلاة الشكر لله الآب على كل عمل صالح نقوم به بقوة نعمتك وباسمك. نشكرك على معرفتنا لك ولسرّ الله والانسان، نشكرك على السلطان الإلهي الذي تمنحه للكنيسة من أجل خلاص جميع الناس وبلوغهم إلى معرفة الحقيقة.

نسألك في زمن العنصرة أن تفيض علينا روحك القدوس، محبةً مسكوبة في قلوبنا، تقدّس حبّنا في كل حالة من حالات حياتنا، ولا سيما في الحياة الزوجية والعائلية، ليصبح الحبُ الزوجي والعائلي سعادةً من أجل إسعاد الغير، وخدمة وتفانيًا في سبيل الآخرين.

    فنرفع نشيد المجد والتسبيح لله المحبة، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.

*          *          *

شاهد أيضاً

رسالة قداسة البابا  فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي السّابع والخمسين للسّلام الأوّل من كانون الثّاني/يناير 2024 الذّكاء الاصطناعيّ والسّلام …

الإرشاد الرّسوليّ  C’EST LA CONFIANCE الثّقة فقط

للحبر الأعظم البابا فرنسيسالثّقة بحبّ الله الرّحيم في مناسبة الذّكرى المائة والخمسين لولادة القدّيسة تريزا …