التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي أحد تقديس البيعة 6 تشرين الثاني ٢٠١٦

التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي

أحد تقديس البيعة  6 تشرين الثاني ٢٠١٦ (متى 16: 13-20)

 

الانتماء إلى الكنيسة المقدَّسة ومقتضياته

مع هذا الأحد تبدأ السنة الطقسيّة الجديدة بتذكار تقديس البيعة. وهو عيد إعلانها “كنيسةً مقدّسة”، لأنّ الله القدّوس حالٌّ فيها، وجعلها جماعة القدّيسين أي المقدَّسين بنعمة المسيح الفادي، والمدعوّين للثبات في القداسة وتجسيدها في الحياة اليومية، وفي الأفعال والمواقف والمبادرات. إعلان إيماننا بالكنيسة المقدّسة هو إعلان إيماننا بالمسيح، لأنّه هو رأسها وهي جسده السّرّي. مَن يؤمن بالمسيح، يؤمن بالكنيسة، ومَن يؤمن بالكنيسة يؤمن بالمسيح.

يُقام في هذا الاحد “يوم التعليم المسيحي في الشَّرق الأوسط” الذي تنظّمه الهيئة الكاثوليكيّة واللّجنة الأسقفيّة للتعليم المسيحي، وتضعه تحت شفاعة القدّيسة الأمّ تريزا دي كالكوتا، أمّ الرحمة والسلام. وتختار بالتالي موضوع “السلام” لهذا اليوم، تأمّلًا فيه والتماسه من المسيح “إله السلام”، فيما الحروب تدمّر الحجر والبشر في بلدان الشَّرق الأوسط منذ خمس سنوات. في “يوم التعليم المسيحي” الذي يمتدّ طيلة الأسبوع التالي في المدارس، نتأمّل في إنجيل السلام الذي يعطي سلام القلب والضمير، ويرسلنا لنكون رسلَ سلام وبُناتَه في العائلة والمجتمع والدولة: “طوبى لفاعلي السلامن فإنّهم أبناءَ الله يُدعَون” (متى 5: 9).

وفي هذا الأحد تُحيي أيضًا مؤسّسة Apostolica عيدها السنوي، وتطلق مشروع “التنشئة الدينيّة لمسيحيِّي الشَّرق الأوسط عبر الانترنت”. تتناول الموادّ التعليمية ستّة مواضيع أساسيّة: بنيان الشخصيّة المسيحيّة، علم الإنسان (الأنتروبولوجيا)، الكنيسة والعقائد المسيحيّة، الكتاب المقدّس، تعليم الكنيسة الاجتماعي، الإدارة.

 

أوّلاً، شرح الانجيل

من انجيل القديس متّى 16: 13-20

قالَ متَّى الرَسُول: جَاءَ يَسُوعُ إِلى نَواحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيْلِبُّس، فَسَأَلَ تَلامِيْذَهُ قَائِلاً: «مَنْ يَقُولُ النَاسُ إِنِّي أَنَا ابْنُ الإِنْسَان؟». فقَالُوا: «بَعْضُهُم يَقُولُون: يُوحَنَّا المَعْمَدَان؛ وآخَرُون: إِيْليَّا؛ وغَيْرُهُم: إِرْمِيَا أَو أَحَدُ الأَنْبِيَاء». قَالَ لَهُم: «وأَنْتُم مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟». فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وقَال: «أَنْتَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ اللهِ الحَيّ!». فأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ لَهُ: «طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بنَ يُونَا! لأَنَّهُ لا لَحْمَ ولا دَمَ أَظْهَرَ لَكَ  ذلِكَ، بَلْ أَبي الَّذي في السَمَاوَات. وأَنَا أَيْضًا أَقُولُ لَكَ: أَنْتَ هُوَ بُطْرُس، أَيِ الصَخْرَة، وعلى هذِهِ الصَخْرَةِ سَأَبْنِي بِيْعَتِي، وأَبْوَابُ الجَحِيْمِ لَنْ تَقْوى عَلَيْها. سَأُعْطِيكَ مَفَاتيحَ مَلَكُوتِ السَمَاوَات، فَكُلُّ مَا تَربُطُهُ على الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا في السَمَاوَات، ومَا تَحُلُّهُ على الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً في السَمَاوَات». حينَئِذٍ أَوْصَى تَلامِيْذَهُ أَلاَّ يَقُولُوا لأَحَدٍ إِنَّهُ هُوَ المَسِيح.

1. في إطار تهيئة التلاميذ للإرسال والشهادة ليسوع والكرازة بإنجيله، كان لا بدّ من التأكّد إذا كانوا بلغوا إلى معرفته الحقّة، وبالتالي إلى معرفة الحقيقة التي هي إيّاه. فرسالتهم تهدف، كما رسالة الكنيسة اليوم، إلى أن تصل الحقيقة إلى جميع الناس: “إذهبوا في الأرض كلِّها وأعلنوا بشارتي إلى الخلق أجمعين” (مر16: 15).

سألهم “عمّا يقول الناس عنه هو ابن الإنسان” (متى 16: 13). شدّد على كونه “إبن الإنسان” الذي يخفي ألوهيّـته، والذي يجمع في شخصه الطبيعتَين: الإلهيّة غير المنظورة، والإنسانيّة الظاهرة. إنّه لقبٌ عزيز على قلب يسوع لأنّه حمل طبيعتنا الضعيفة، وصار واحدًا منّا، ليخلّصنا. وهو نهج التواضع وإخلاء الذات الذي يتركه لنا نموذجًا.

بهذا السؤال أراد يسوع أن يكون تلاميذُه عينَه التي ترى وأذنَه التي تسمع. وهذا هو دور الكنيسة وأبنائها وبناتها ومؤسّساتها. نرى ونسمع لكي نلبّي النداءات والحاجات، لكي نصحّح الخطأ، ونصوِّب المسار، في ما يختصّ بالإيمان والعقيدة اللاهوتيّة والأخلاقيّة. هذه مسؤوليّة تقع علينا جميعًا، لأنّ بها يتعلّق خلاص النفوس.

2. جاءت أجوبة الناس، النابعة من العقل والعين والمعتقد، غير صحيحة في الجوهر، وصحيحة نوعًا ما بالشكل. قالوا عن يسوع انّه “إما يوحنّا المعمدان وإمّا إيليّا وإما إرميا أو أحد الأنبياء” (الآية 14). كان الاعتقاد السائد أنّ الموتى يقومون من قبورهم، ليعودوا إلى العيش على الأرض، حياةً جسدية مادّية إنّما أبديّة. فظنّوا يسوع أحد هؤلاء. هيرودس نفسه لمّا سمع بأخبار يسوع قال: “إنّه يوحنا الذي قطعتُ أنا رأسه قد قام” (مر6: 16). من حيث المعتقد وجوهر شخصيّة يسوع جواب الناس غير صحيح.

3. أمّا من حيث الشّكل، يمكن اعتباره صحيحًا جزئيًّا. ظنّوه يوحنا المعمدان لأنّه نادى مثل يوحنا بالتوبة: “توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات” (متى 4: 17)، مردِّدًا هكذا ما سبق ونادى به يوحنا نفسه (راجع متى 3: 2). وظنّوه إيليا، النبي الحيّ الذي انتقل بمركبة نارية إلى السماء، وسوف يعود إلى الأرض. إيليا تميّز بصنع المعجزات: حبس المطر عن الأرض حتى عمّها الجفاف، ثمّ استنزل المطر؛ جعل جرّة الطحين وقارورة الزيت لا تفرغان في بيت أرملة صرفت صيدا، وأقام ابنها من الموت؛ جعل النار تهبط من السماء لتأكل المحرقة على جبل الكرمل. وهكذا، إذ كان يسوع يأتي بالكثير من المعجزات، اعتقد الناس أنه إيليا الذي عاد. وظنّوه إرميا، لأن إرميا كان يتدخّل في زمن الأزمات، حين كان الشعب يتخلّى عن الله وعن الشريعة والضمير، ويعبد المال والسلطة. فكان الناس يرون يسوع مصلحًا اجتماعيًّا يأمر بالخير وينهي عن الشر والظلم. فرأوا فيه إرميا العائد إلى الحياة.

4. في ضوء الجواب المثلّث، نستنتج بعض العبر.

أ- واجب معرفة الحقيقة التي علّمها يسوع المسيح وتعلّمها الكنيسة استنادًا إلى كلامه وإيحاءات الروح القدس. وواجب إعلان الحقيقة بروح المسؤوليّة، لأنّها طريق الخلاص. هذا ما أدركه بولس الرسول فأعلن: “الويل لي إن لم أكرز بالإنجيل” (1كور9: 16).

ب- حقيقة القيامة للحياة الأبديّة في السماء، لا لحياة مادّية على الأرض، وفيها ثواب الخلاص أو عقاب الهلاك الأبديَّين. ما يقتضي عدم حصر الآمال والأحلام في حدود هذه الأرض، لأنّها تنتهي كلّها في القبر، بل يجب النظر إلى الأبدية وإعدادها بحياة بارّة مستقيمة. عظيمة صرخة سليمان الملك: “باطلُ الأباطيل، وكلّ شيء تحت الشّمس باطل”.

ج – الحقيقة لا تتجزَّأ، ولا يمكن الجمع أو الخلط بين الحقيقة والباطل. فالله، في سفر التكوين، فصل بين النور والظلمة، بين الحقّ والباطل. وأوجب علينا الربّ يسوع: “ليكن كلامُكم نعم نعم أو لا لا. فما زاد على ذلك فهو من الشرير” (متى5: 37). والإيمان أيضًا لا يتجزّأ، بل يجب أن يكتمل بالتثقيف الدائم والتأمّل والصلاة والاستفادة من وسائل الإعلام المسيحيّة لهذه الغاية.

د- المعجزات التي اجترحها الربّ يسوع تُسمَّى “آيات”، لأنّها علامات حسّية لحقيقة إيمانيّة غير منظورة. آفة اليوم التعلّق بالأعاجيب بحدّ ذاتها، من دون الولوج إلى الحقيقة التي تدلّ إليها. نرى الناس يذرفون الدموع في أماكن الظهورات والأعاجيب، من دون أيّ تغيير، لدى معظمهم، في طريقة حياتهم وعاداتهم وتصرفاتهم.

ه- ليست الديانة المسيحية مجرّد مجموعة شرائع أخلاقية حول الخطأ والصواب، الصالح والطالح، الخير والشّر، بل هي سرّ المسيح الفادي والمخلّص الذي يهدينا بكلمة الإنجيل، ويشفي نفوسنا بنعمة الأسرار، ويجمعنا بشريعة المحبة والأخوّة والوحدة.

5. جواب سمعان بطرس “أنت هو المسيح ابن الله الحيّ” (الآية 16)، هو جواب الإيمان كما أعلن الربّ يسوع: “لا لحم ولا دم أظهر لك ذلك، بل أبي الذي في السماء” (الآية 17). لم يشأ يومًا يسوع أن يقول انّه المسيح، حتى عندما أرسل إليه يوحنا من السجن بعثة تسأله: “أَأنتَ هو المسيح الآتي، أم ننتظر آخر؟” (متى11: 3). فهو مسيح الإيمان، ينبغي أن نكتشفه بسماع كلمة الله والتأمّل فيه والصلاة والإصغاء لوحي الروح القدس.

جواب سمعان بليغ بمضمونه المثلَّث: أنت هو “المسيح” الذي انتظره شعب الله، ولا أحد الأنبياء العائد إلى الحياة الأرضية. وأنت “ابن الله” المتجسّد، ومن ذات جوهر الله، لا مجرّد لقب كان يُعطى للملوك والقادة ولداود الملك نفسه، الذي يعني “محبوب الله”، “ومن يبني بيت الله”. وأنت “ابن الله الحيّ”، الله الذي يعطي الحياة، اي ابن الله بالحقيقة الذي يأخذ حياته من حياة الله نفسها. يسوع المسيح هو من جوهر الله، من جوهر الحياة الإلهيّة، حيٌّ ومعطي الحياة.

6. امتدح يسوع سمعان بطرس على جواب الإيمان لأنّه أتاه من الله لا من عقله ومعرفته: “طوبى لك، يا سمعان بن يونا! لأنّ لا لحم ولا دم أظهر لك ذلك، بل أبي الذي في السماء” (الآية 17). أتاه الإيمان من الينبوع الإلهي، لأنّه كان يسمع يسوع بثقة وشغف ومحبة. كان يسمع كلامه بقلبه ويحفظه ويتأمّل فيه. لذلك، أتى جوابه صحيحًا بكامل مضامينه، خلافًا لجواب الناس الذي كان من عقلهم ومعرفتهم فقط، فأتى ناقصًا وغير سليم في جوهره.

مع الله وسرّه لا نتعامل بالعقل دون سواه، بل بالعقل المستنير بالإيمان. فالعقل عين، والإيمان نور. والإيمان ثقة ورجاء وحبّ. وهو من حيث مصدره الإلهي عطيّة  نلتمسها من الله كلّ يوم، وننتظرها كانتظار الفجر والنور في الظلمة. فليكن طلبُنا طلبَ الرسل: “يا رب، زدنا إيمانًا” (لو 17: 5).

بهذا المديح، يكشف الربّ يسوع أنّ المسؤولية التي سيسلّمها إلى بطرس، كصخرة إيمان يبني عليها كنيسته، وكرأس يقلّده كامل سلطان الحلّ والربط، إنّما هي من الله، وتقتضي من بطرس أن يمارس مسؤوليّته بإيمان ورجاء وحبّ، مصغيًا باستمرار إلى صوت الله ووحيه، لا إلى صوته الشخصي. وهذا شأن كلّ صاحب سلطة ومسؤوليّة في الكنيسة.

7. بدّل يسوع اسمه من سمعان بطرس أي الصخرة (الآية 18)، وهي باللّغتَين اليونانية Petra-Petross، وبالآرامية لغة المسيح: “كيفا”، للدلالة على الرسالة الموكولة إليه. وهي أن يثبّت الكنيسة التي أسّسها الربّ يسوع بثمن دمه المسفوك على الصليب، والتي يبنيها الربّ على الكهنوت وبواسطته بإتمام أعمال أسرار الخلاص السبعة، المرموز إليها “بمفاتيح الحلّ والربط”. فيمارسها بطرس وخلفاؤه من بعده على أساس الإيمان بالمسيح والإخلاص له والإصغاء لصوته، والمسيح “يؤيّدها على الأرض وفي السماء” (الآية 19). بهذا يُظهر الربّ يسوع مدى اتّحاد الكنيسة به، فهي جسده، وهو رأسها. ولايمكن أن يكون في الجسم أي انقسام.

ولهذا السبب لا يستطيع الشيطان وقوى الشّر أن تقوى على الكنيسة” (راجع الآية متى 16: 18)، لأنّها ستكون في مواجهة مع المسيح نفسه، فلا يمكن أن تنتصر عليه: “الآن أركون هذا العالم يُطرح خارجًا” (يو 12: 31) أكبر دليل على ذلك، أنّ الكنيسة تُضطهد وتُضرب وتُقاوم من قوى الشّر الخارجية والداخلية. فصمدت ونمت وانتشرت، فيما دول وأنظمة وأمم سقطت واندثرت.

أمّا توصيته بألّا يقولوا لأحد أنّه هو المسيح (الآية 20) فل

كي يكون هذا الإعلان بعد موته وقيامته، إذ بهما تظهر حقيقة المسيح المنتظر ورسالته الخلاصية.

*   *   *

صلاة

أيّها الربّ يسوع، أنت تدعونا لنعرفك بالإيمان بك المقرون بالمحبة، لا بالعقل والمعرفة البشرية فقط، مثلما عرفك سمعان-بطرس. على إيمانه المحبّ بُنيَت وتُبنى كنيستك، كما على الصخرة. نبتهل إليك أن تزيدنا إيمانًا، كي نثمّن إيماننا المسيحي الذي يمكّننا من الولوج إلى سرّ الله وسرّ الإنسان، ومن أن نبني عليه ثقافتنا، ونفعّلها مع ثقافات بيئتنا. وهكذا نكوّن معًا حضارة أكثر إنسانية وأخلاقية، تؤهّلنا أن نرفع صافيًا نشيد المجد والتسبيح للثالوث المجيد الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.

*   *   *

شاهد أيضاً

رسالة قداسة البابا فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي الثّامن والخمسين لوسائل التّواصل الاجتماعيّة الذّكاء الاصطناعيّ وحكمة القلب:للتّواصل البشريّ الكامل …

رسالة قداسة البابا فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي الثّاني والثّلاثين للمريض 11 شباط/فبراير 2024“لا يَحسُنُ أَن يَكونَ الإِنسانُ وَحدَه” …