التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي عيد الغطاس أو الدنح الجمعة 6 كانون ثاني ٢٠١٧

التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي عيد
الغطاس أو الدنح الجمعة 6 كانون ثاني ٢٠١٧ لوقا 3: 15-22

مع عيد الغطاس الذي يعني النزول في الماء للمعمودية، والمعروف بعيد “الدنح” الذي يعني اعتلان سرّ المسيح والثالوث الأقدس، تبدأ حياة الربّ يسوع العلنيّة ورسالته، وهو بعمر ثلاثين سنة. لقد قضى حياته السابقة في الناصرة حيث “كان ينمو بالقامة والحكمة والنعمة أمام الله والناس” (لو2: 52)، وهو يعمل مع أبيه يوسف في حقل النجارة، ويكسب خبزه اليومي، خاضعًا لشريعة العمل.

في إنجيل اليوم رواية معموديّته واعتلانه. وفي إنجيل الأحد المقبل (يو1: 29-34) شهادة يوحنا عن يسوع أنّه “حملُ الله الذي يرفع خطيئة العالم” وأنّه “ابن الله”.
أوّلاً، شرح الإنجيل
من إنجيل القديس لوقا 3: 15-22
وفيمَا كانَ الشَّعْبُ يَنتَظِر، والجَمِيعُ يَتَسَاءَلُونَ في قُلُوبِهِم عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ هُوَ المَسِيح، أَجَابَ يُوحَنَّا قَائِلاً لَهُم أَجْمَعِين: «أَنَا أُعَمِّدُكُم بِالمَاء، ويَأْتي مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنِّي، مَنْ لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحُلَّ رِبَاطَ حِذَائِهِ. هُوَ يُعَمِّدُكُم بِالرُّوحِ القُدُسِ والنَّار. في يَدِهِ المِذْرَى يُنَقِّي بِهَا بَيْدَرَهُ، فيَجْمَعُ القَمْحَ في أَهْرَائِهِ، وأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لا تُطْفَأ. وبِأَقْوَالٍ أُخْرَى كَثيرَةٍ كانَ يُوحَنَّا يَعِظُ الشَّعْبَ ويُبَشِّرُهُم. لكِنَّ هِيرُودُسَ رئِيسَ الرُّبْع، وقَد كانَ يُوحَنَّا يُوَبِّخُهُ مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا ٱمْرَأَةِ أَخِيه، ومِنْ أَجْلِ كُلِّ الشُّرُورِ الَّتي صَنَعَها، زَادَ على تِلْكَ الشُّرُورِ كُلِّهَا أَنَّهُ أَلقَى يُوحَنَّا في السِّجْن. ولمَّا ٱعْتَمَدَ الشَّعْبُ كُلُّهُ، وٱعْتَمَدَ يَسُوعُ أَيْضًا، وكانَ يُصَلِّي، ٱنفَتَحَتِ السَّمَاء، ونَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ القُدُسُ في صُورَةٍ جَسَديَّةٍ مِثْلِ حَمَامَة، وجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ يَقُول: “أَنْتَ هُوَ ٱبْنِي الحَبِيب، بِكَ رَضِيت”.
1. ظنّ الشعب أنّ يوحنا المعمدان هو المسيح الآتي، لأنّه شكَّل حالة خاصّة، ولم يكن كسائر الأنبياء الذين سبقوه. وكانوا ينتظرون اعتلان هذه الحقيقة، وبداية تحقيق الخلاص الموعود منذ الدهور، بحسب أقوال الأنبياء. في العهد القديم، انتظروا قدوم المسيح والخلاص على يده؛ ونحن في العهد الجديد، ننتظر تجلِّيات نعمته الخلاصيّة فينا. ولهذا تهتف الكنيسة دائمًا، بلسان أبنائها وبناتها: “تعال أيُّها الربّ يسوع” (رؤيا22: 20). بهذا الهتاف تختم كلّ الكتب المقدّسة، بعهدَيها القديم والجديد، ويختم الوحي الإلهي.
2. هدَّأ يوحنا تساؤلات الناس بجواب صريح ومتواضع ومتجرّد، أنّه ليس المسيح الآتي: “أنا أعمِّدُكم بالماء. ويأتي الآن مَن هو أقوى منّي، ولستُ أهلًا لأن أحلَّ سير حذائه. فهو يعمِّدكم بالروح القدس والنار” (لو2: 16). إنّه جواب كبير وغني بالمعاني اللّاهوتية.
3. كان يوحنا يعمِّد بالماء للتطهير من الخطايا، وفقًا للعادة القديمة التي كانت تقتضي، عند اليهود، أن يُنزِل المؤمن رأسه تحت الماء اثنتَي عشرة مرَّة على عدد أسباط الشعب القديم، علامةً للتوبة والتماسًا لغفران خطاياه والتزامًا بحفظ الشريعة. حتى في الديانات الوثنيّة، كانت البتولات تغتسلْن بماء التعميد كخادمات الهيكل. والعادة موجودة في الإسلام وهو التوضّؤ بالماء. حافظت الكنيسة على شيء من معمودية يوحنا في الماء المبارك الذي نجده عند مدخل الكنيسة قرب الباب، ونرسم به جباهنا كنوع من الاغتسال والاستعداد للصلاة وتنقية الفكر وصفائه للاستماع إلى كلمة الله.
في عيد الغطاس تُقام رتبة تبريك الماء لغايتَين: ليُرشّ على رؤوسنا وفي بيوتنا، وليدعونا إلى التوبة عن الخطايا، وغسل قلوبنا، وإعدادها لسماع كلمة الله.
4. يعلن يوحنا أنّ “المسيح الآتي أقوى منه”، بحيث أنّه “يعمّد بالروح القدس والنار”. هذا الإعلان هو بوحي من الروح القدس الذي ملأ يوحنا وهو في حشا أمّه. أمّا هو، فيقول عن نفسه أنّه “لا يستحقّ أن يحلّ رباط حذائه”، وليقول أنّه أحقر العبيد، ولا تحقّ مقارنته بالمسيح. أمثولة رائعة في التواضع أمام الله، وفي التجرّد أمام الناس.
5. المعمودية بالروح القدس تمنح المعمَّد حياة إلهيّة، تقيمه من موته الروحي، من حالة الخطيئة والضعف. في هذه المعمودية، معمودية المسيح والكنيسة، ينفخ فينا الله روحه القدّوس، ويعطينا من حياته الإلهيّة، ويشركنا فيها، فنصبح أقوياء. نقول بالعامّية عن الرجل القوي “عندو نَفَس”.
6. المعمودية بالنار تشير إلى فعل الروح القدس في المعمَّد، الشبيه بفعل النار.
أ – النار يطهِّر المأكولات كاللَّحم وسواه، ويتلف الأشياء. في المعمودية الروح القدس يطهِّر نفوسنا بإتلاف الخطيئة ونتائجها. وكما النار تترك أثرًا في الجسم، هكذا تترك المعمودية أثرًا لا يُمحى في كيان المعمَّد. ولذلك لا تُمنح مرّتَين، ولا تزول بنكران الإيمان.
ب – النار يُنير. الروح القدس ينير عقل المعمَّد بالإيمان بالمسيح وبالكلمة. بهذه الاستنارة يدخل في رحاب الكنيسة، جماعة المستنيرين، الذين يقودهم الروح القدس بأنوار مواهبه السَّبع وإيحاءاته، ويهدينا إلى حسن التصرّف.
ج – النار يُدفئ. الروح القدس يزرع في قلوب المعمَّدين دفء الحبّ الذي يجمعهم بروح الأخوّة ودفئها، تمامًا مثلما الحبّ يخلق الدفء في العائلة. ولذا يُدعى المعمّدون جماعة المحبة: “أنظروا كم يحبّون بعضهم بعضًا”!، كان يقول الوثنيّون عن أتباع المسيح. ولهذا السبب دُعوا مسيحيِّين في انطاكيه (أعمال11: 26) ، أي جماعة المحبة.
بنتيجة هذه المفاهيم، المعمودية تعطينا حياة جديدة مع الله وفي الكنيسة، تجب المحافظة عليها لكي لا تنطفئ، مثلما نحافظ على النار مشتعلة لتصل إلى مبتغاها. والمعمودية ترفع لهيب محبّتنا نحو الله والإخوة، مثل لهيب النار، الذي يعطي حرارة ونورًا ودفئًا.
7. معمودية يسوع على يد يوحنا (الغطاس) اكتملت بحلول الروح القدس عليه، وظهور الثالوث الأقدس (الدِّنْح). لقد تحقّقت كلمة المعمدان أنّ المسيح الآتي سيعمّد بالروح القدس والنار. نال يسوع هذه المعمودية من الروح القدس واستنار بملء كلام الله، وهو نفسه الكلمة الإلهيّة التي صارت بشرًا (يو1: 14)، وسلّم الكنيسة رسالة التعميد: “وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (متى 28: 20)، لكي يمتلئ المعمَّدون من الروح القدس والحياة الجديدة.
كان ظهور الإله الواحد والمثلَّث الأقانيم بالرؤية والصوت: الآب بالصوت الذي سمع: “أنت هو ابني الحبيب، بك رضيت” (الآية 22)؛ والابن برؤية شخص يسوع، والروح القدس برؤيته في صورة جسمية كمثل حمامة، واستقرّ عليه، وهكذا عيد الغطاس يكتمل بالدِّنح.
8. لقد تمّ هذا الظهور “فيما كان يسوع يصلّي، وانفتحت السماء” (الآية 21). ما يدلّ على أنّ بالصلاة تنفتح السماء. إنّها المفتاح الفعّال للأبواب السماوية. فالصلاة هي الصلة الحقيقيّة مع الله، والشَّرط الأساسي للتواصل معه. نعني بالصلاة تلك الصادرة من قلبٍ محبّ ومنفتح على الله، والتي هي تعبير صادق عن الحياة المسيحيّة، ومع الدِّنْح انفتحت السماء التي كانت مقفلة منذ خطيئة أبوَينا الأوّلَين. ويومها كان الوعد بمخلّص يعيد فتحها، وهو المسيح الربّ، الذي في ملء الزمن وُلد من الروح القدس ومن مريم عذراء الناصرة.
9. في إنجيل الأحد الأوّل الذي يلي عيد الغطاس أو الدنح (يو1: 29-34) تأتي شهادة يوحنا المعمدان التي تكمل اعتلان الدّنح: يسوع هو حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم (الآية 29). أدرك يوحنا أنّ يسوع المقبل إليه مع الخطأة لينال معمودية الماء، أنه منزَّه عن كلّ خطيئة. ولهذا “كان يوحنا يمانعه قائلًا: أنا المحتاج أن أعتمد منك. وأنت تأتي إليَّ؟ فأجاب يسوع وقال له: دع الآن. فإنّه هكذا يليق بنا أن نتمَّ كلّ برّ” (متى 3: 14-15). “البرّ” هو أن يسوع يتضامن مع الخطأة ويسير معهم، لاجتذاب الناس بمَثَله إلى التوبة، ولكي يحمل خطايا جميع البشر ويفتديها بموته على الصليب، ويغسلها بدمه. فتنبّأ يوحنا، الممتلئ من الروح القدس: “هذا هو حملُ الله الذي يرفع خطيئة العالم” (يو1: 29).
وشهد يوحنا المعمدان في ضوء ما رأى وسمع عند معمودية يسوع، شهادة كتبها على لسان يوحنا الرسول في إنجيله: “وأنا رأيت وأشهد أنّه هو ابن الله” (يو1: 34).
* * *
صلاة
أيّها الربّ يسوع، بمعموديتك على يد يوحنا، سلّمت الكنيسة المعمودية بالروح القدس والماء، وأشركتَنا بواسطتها في حياتك الإلهيّة، مانحًا إيّانا ولادة جديدة. لقد ألبستَنا ثوبك المسيحاني، على ما يذكِّرنا بولس الرسول: “أنتم الذين اعتمدتُم بالمسيح، قد لبستُم المسيح”. إمنحنا نعمة النّمو بهذا الإنسان الجديد، فنتمكّن من إعلان هويتنا المسيحية من خلال اقوالنا وأفعالنا وتصرّفاتنا. فمعموديتك معموديتنا، ودِنْحك دِنْحنا. ولتكن حياتُنا شهادة صادقة لك مثل شهادة يوحنا، ونشيد مجد وتسبيح وشكران للثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس، الذي به اعتمدنا واعتلنّا مسيحيِّين، الآن وإلى الأبد، آمين.

شاهد أيضاً

رسالة قداسة البابا فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي الثّامن والخمسين لوسائل التّواصل الاجتماعيّة الذّكاء الاصطناعيّ وحكمة القلب:للتّواصل البشريّ الكامل …

رسالة قداسة البابا فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي الثّاني والثّلاثين للمريض 11 شباط/فبراير 2024“لا يَحسُنُ أَن يَكونَ الإِنسانُ وَحدَه” …