التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي أحد العنصرة 4 حزيران 2017

التنشئة المسيحية لغبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الراعي

أحد العنصرة 4 حزيران 2017

محبّة المسيح شرط لقبول هبة الروح القدس (يوحنا 14: 15-20)

 هو اليوم الخمسون بعد قيامة الربّ يسوع من بين الأموات. ويُتمّ فيه وعده بإرسال الروح القدس على الكنيسة الناشئة لكي يجعلها شاهدة له في العالم كلّه، بخدمتها المثلَّثة: الكرازة والتقديس والتدبير، بحيث تعلّم كلمة الإنجيل، وتوزِّع نعمة الأسرار، وتخدم المحبّة.

يروي كتاب أعمال الرسل حلول الروح القدس في اليوم الخمسين (راجع أعمال2: 1-12).

   أوّلاً، شرح نص الإنجيل

       من إنجيل القديس يوحنا 14: 15-20

   قالَ الرَبُّ يَسُوعُ لِتَلاميذِهِ: «إِنْ تُحِبُّونِي تَحْفَظُوا وَصَايَاي. وأَنَا أَسْأَلُ الآبَ فَيُعْطِيكُم بَرَقلِيطًا آخَرَ مُؤَيِّدًا يَكُونُ مَعَكُم إِلى الأَبَد. هُوَ رُوحُ الحَقِّ الَّذي لا يَقْدِرُ العَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لا يَرَاه، ولا يَعْرِفُهُ. أَمَّا أَنْتُم فَتَعْرِفُونَهُ، لأَنَّهُ مُقيمٌ عِنْدَكُم، وهُوَ فِيكُم. لَنْ أَتْرُكَكُم يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُم. عَمَّا قَلِيلٍ لَنْ يَرانِيَ العَالَم، أَمَّا أَنْتُم فَتَرَونَنِي، لأَنِّي أَنَا حَيٌّ وأَنْتُم سَتَحْيَون. في ذلِكَ اليَومِ تَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا في أَبِي، وأَنْتُم فِيَّ، وأَنَا فيكُم».

1. وعد الربّ يسوع بإرساله روحَه القدّوس لرسله، ممثِّلي الكنيسة الناشئة، مرتبط بمحبّتهم له التي تظهر عمليًّا في حفظ وصاياه. فالروح القدس هو المحبّة الإلهيّة المسكوبة في القلوب التي تحبّ. واضح كلامه: “إن تحبوني تحفظوا وصاياي، وأنا أسأل أبي فيعطيكم برقليطًا آخر يكون معكم إلى الأبد” (الآية 15).

“البرقليط” هو الروح القدس الذي يعزّي ويحامي ويوجّه. ويفعل ذلك بكونه المحبة الإلهيّة الحاضرة في حياتهم وحياة الكنيسة وأبنائها وبناتها ومؤسّساتها. هو “آخر” بالنسبة إلى يسوع الذي أحبّهم حتى النهاية في حياته الأرضيّة؛ “ويحبّهم إلى الأبد” بالروح القدس-البرقليط.

2. الشرط الأساسي لقبول الروح البرقليط هو “محبّة المسيح بحفظ وصاياه”. هذا الشرط-الوصية لا يعني حاجة الله إلى محبّتنا، بل هو طريق خلاصنا. يقول القديس أغسطينوس أن “الله الذي خلقنا من دون إرادتنا، لا يستطيع أن يخلّصنا من دون إرادتنا”.

“محبة المسيح بحفظ وصاياه” هي محبة عمليّة لا مجرّد عاطفة وأحاسيس، أو محبّة بالكلام، بل هي المحبّة الظاهرة في الأعمال، وأوّلُها حفظ تعليم المسيح في الإنجيل ووصاياه. وأوصانا بحبّ بعضنا بعضًا كما هو أحبّنا (راجع يو13: 34). وهي “محبّة عمليّة” تظهر في الأفعال بحسب دعوة يوحنا الرسول: “لا تكن محبّتنا بالكلام أو باللّسان بل بالعمل والحقّ” (1يو3: 18). وهو نفسه نبّه ضمائرنا قائلًا: “إذا قال أحدٌ: أنا أحبّ الله، وهو يكره أخاه، كان كاذبًا، لأنّ الذي لا يحبّ أخاه وهو يراه، لا يقدر أن يحبّ الله وهو لا يراه” (1يو4: 2).

3. “المحبّة العمليّة” هي إذا احتاج أخي لشيء فأقدّمه له بيدي، إذا كان مريضًا أو وحيدًا، فانتقل برجلَي لزيارته، وإذا انتظر كلمة لطيفة تعزّيه وتقوّيه، فأخاطبه بلساني” (كيارا لوبيك مؤسسة حركة الفوكولاري). هذا الكلام يعني أنّ “المحبّة العمليّة” لا تقتصر على اتّصال بالهاتف أو الفيسبوك أو الواتسأب. فلا تصبح محبّتنا “كبسة زر” (digital).

4. من الوصايا الإلهيّة “أَكرِم أباك وأمّك”. الأهل الذين أفنوا حياتهم في سبيل أولادهم، إعالة وتربية وتدبير مستقبل، هم بحاجة إلى سند عاطفي من هؤلاء الأولاد في شيخوختهم. نشكر الله على أنّ كثيرين يقومون بهذا الواجب. غير أنّ البعض الأخر يهمل والديه، إذ نرى أعدادًا متزايدة من كبار السّن المُهمَلين. قد لا يكون إهمالًا مادّيًّا، إنّما إهمالًا معنويًّا وعاطفيًّا وإنسانيًّا.

5. الروح القدس الذي حلّ في اليوم الخمسين على الكنيسة الناشئة، ويستمرّ حلوله عليها وعلى أبنائها وبناتها ومؤسّساتها، يسمّيه الربّ يسوع “البارقليط” (الآية 16).

إنّها لفظة يونانيّة (para-kaléo) تعني الوقوقف إلى جانب الشخص مذكِّرًا ومحاميًا ومؤيِّدًا ومدافعًا. إنّنا نختصر عمله بثلاثة:

أولاً: يقف الروح القدس إلى جانب المؤمن ويردّد في أذنه كلمات الربّ يسوع ويذكّره بالإنجيل. مرارًا ما يقع المسيحيّ في تجربة نسيان كلام الربّ أو تناسيه أو التغاضي عنه أيضاً. أو قد يحفظ قسماً من الكتاب، ذاك الذي يتناسب مع مبتغاه، تاركاً القسم الآخر الذي يجد أنّ تحمّله ثقيل عليه. فيكون الروح القدس وقتئذ “المذكّر”، يلفت انتباه الإنسان إلى أنّ تصرّفه ليس إنجيليّاً وأنّه يحيد عن طريق الصواب. يعمل الروح إذاً دور الضمير المنبّه للإنسان والرادع عن الآثام.

ثانياً: يقف الروح القدس إلى جانب المؤمن ليشرح له المعاني الحقيقيّة لكلام الإنجيل. يقع المسيحيّ ايضاً في تجربة تأويل كلام يسوع حسب ما تبتغيه نفسه وحسب ما يروم هو. أو قد تلتبس عليه فعلاً بعض الآيات الكتابيّة فلا يفهم معناها الحقيقيّ. هنا يعمد الروح القدس إلى إعطاء المؤمن نعمة النور والحكمة، نعمة الفهم والبصيرة. هذا ما نقوم به دوماً قبل الصلاة والتأملّ في نصّ من الكتاب المقدّس، أو قبل أن نبدأ سهرةً إنجيليّةً؛ نستدعي الروح القدس المنير ليقود هو تأملّنا وصلاتنا. يقوم الروح هنا بدور “المكمّل”، فكما كان الربّ يسوع يشرح لتلاميذه الأمثال ويجيب على أسئلتهم، هكذا الروح البرقليط يرسل نوره على الكنيسة ويعطيها النعمة لتفهم حقيقة الرسالة الإنجيليّة.

ثالثاً: يقف الروح القدس إلى جانب المؤمن ليعضده ضدّ المجرّب، مانعاً إيّاه من الإقتراب منّا. يدافع عنّا ويحمينا من عدوّنا الأكبر لأنّنا بالمعموديّة أصبحنا أبناء الله وهياكل للروح القدس؛ أي أصبحنا ملكاً خاصاً لله، يُمنع على الأعداء الإقتراب منه.

6. ويعطي الربّ يسوع اسمًا آخر للروح القدس هو “روح الحقّ” (الآية 17). وبهذه الصفة هو نور الكنيسة والمؤمنين الذي يساعدهم على التمييز بين الحقّ والباطل، وبين الخير والشّر. ويؤكّد الربّ أنّ عالم الخطيئة والكذب والشّر لا يستطيع معرفة “روح الحق” وقبوله، اما الرسل، المقدّسون بنعمة الفداء فيعرفونه وهو مقيم فيهم (راجع الآية 17). أجل، في مساء يوم قيامته، تراءى يسوع لرسله، “ونفخ فيهم وقال: خذوا الروح القدس” (يو20: 22).

الروح القدس هو “ميزان الحقيقة” به يميّز الشخص البشري إذا كان مع الله أم مع العالم. ويستطيع هذا التمييز، إذا دخل في خلوة مع ذاته، وفتح قلبه للصلاة. السلام الداخلي وراحة البال مع الله اللَّذَين يشعر بهما، هما الدليل أنّه بالحقيقة مع الله. أما تعب الضمير والقلق اللّذان يقضّان مضجعه لدليل أنّه مع العالم، لا مع الله.

قال أحدُ الآباء الروحيّين: الوزن يُقاس بالكيلوغرام، والطول بالمتر، اما القداسة فبالسلام الداخلي. كلّ مرّة دخلتَ في خلوة مع نفسك، ترى وتشعر بوضوح هل في قلبك سلام أم لا. إنّه سلام المسيح بالروح القدس الذي يقول عنه: “سلامي أعطيكم، لا كما يعطيه العالم أعطيكم أنا” (يو14: 27).

7. من سياق كلام الربّ يسوع، ندرك ثلاثة أفعال أخرى يجريها فينا الرّوح القدس:

الأوّل، أنّ بواسطته يظلّ المسيح الفادي والمخلّص في عمق حياة الكنيسة وحياة المؤمنين. ذلك أنّ الرّوح القدس يُتمّم فينا ثمار الفداء، ويُقدّسنا بنعمة المسيح، ويجعلنا أبناء وبنات لله بالإبن الوحيد: “لن أتركَكم يتامى، بل آتي إليكم” (الآية 18).

الثاني، إنّ الرّوح القدس يُحيينا بالحياة الجديدة، بقوّة المسيح الحيّ القائم من الموت، الذي سيراه الرسل، بعد قيامته، ودائمًا بعين الإيمان، أمّا عالم الخطيئة فلن يراه، لأنّ الرّبّ القائم لا يتراءى له ولأنّ العالم لا يؤمن به “عمّا قليل لن يراني العالم، أمّا أنتم فترونني، لأنّي أنا حيٌّ وأنتم ستحيَون” (الآية 19).

الثالث، أنّ الرّوح القدس يُدخِل المؤمنين عموديًّا في عمق الإتّحاد بالله، الواحد والثالوث، وأفقيًّا في الوحدة التي تجمعهم: “في ذلك اليوم، (يوم حلول الرّوح القدس)، تعرفون أنّي أنا في أبي، وأنتم فيّ، وأنا فيكم”  (الآية 20).”الرّوح يجمعنا”!

ثانياً، الخطوط العريضة لجمعيّة سينودس الأساقفة الخاصّة بالشّبيبة (تشرين الأول 2018)

ننقل تباعًا مضمون وثيقة ” الخطوط العريضة” لتهيئة الشبيبة وأهلهم لهذا الحدث الكنسي المميَّز. موضوع الجمعيّة العموميّة هو: الشباب والإيمان وتمييز الدّعوة.

تتألّف الوثيقة من مقدّمة تعلن الموضوع، وتقدّم يوحنا الرّسول مثالًا لكلّ شابّ في تمييز دعوته. فيوحنا دُعِيَ ليكون بشكلٍ أخصّ شاهدًا على الآلام والقيامة. وهو في العشاء الأخير أسندَ رأسه على صدر يسوع (يو 13: 21- 29). وعند أقدام الصّليب، شارك مريم ألم الأمّ، وسلّمه يسوع أمّه، فقبلها أمًّا واعتنى بها (يو 19: 25-27). وفي صباح القيامة أسرعَ مع بطرس إلى القبر ورأياه فارغًا، وآمنا (يو20: 1-10). وأخيرًا خلال الصّيد العجيب على بحيرة طبريّه عرف يسوع القائم من الموت وشهد له أمام الجماعة (يو 21: 1-14).

وتتألّف الوثيقة من ثلاثة فصول:

الفصل الأول يتناول الشّبيبة في عالم اليوم، وهو عالم يتغيّر بسرعة ويُعطي أجيالاً جديدة، تواجه تحدّيات متنوّعة، تقتضي من الشبيبة خيارات صائبة.

الفصل الثاني يتوسّع في مفاهيم الإيمان والتّمييز والدّعوة، مع التّركيز على ثلاث كلمات في مسيرة كلّ شابّ: أن يعرف، ويُفسّر، ويختار. ثمّ يرسم هذا الفصل مسار الدّعوة وما يقتضيه من مرافقة.

الفصل الثالث يتناول العمل الرّاعوي في خمس نقاط: السَّير مع الشّبيبة، الأشخاص المعنيّين، الأماكن، الوسائل، الرّجوع إلى مريم العذراء والإقتداء بمواقفها.

وتنتهي الوثيقة بأسئلة هي بمثابة مشاورة عامّة، لتُصاغ منها وثيقة “أداة العمل” التي تقود أعمال جمعيّة السينودس في الموعد المذكور، تشرين الأول 2018. لقد أنشأنا لجنة أسقفيّة بطريركيّة لتتقبّل الأجوبة على الأسئلة من الأبرشيّات والرّهبانيّات، وحركات الشّبيبة في لبنان، ثمّ تصوغ نصًّا واحدًا، نرسله، باسم الأبرشيات والرهبانيات وحركات الشبيبة، إلى الأمين العام لسينودس الأساقفة الكردينال Lorenzo Baldisseri.

صلاة

أيّها الربّ يسوع، أَرسل إلينا روحك القدّوس مؤيِّدًا ومحاميًا ومعزّيًا وموجّهًا لئلّا نضلّ الطريق إليك وإلى خلاصنا. أرسله روح حقّ يهدينا إلى الحقيقة التي تميّز بين الخير والشّر. أرسله إلينا ليحقّق فينا ثمار الفداء، ويثبّتنا في بنوّتنا لله بالابن الوحيد، ويبثّ فينا الحياة الجديدة، ويدخلنا في عمق الاتّحاد بالله، والوحدة مع جميع الناس. فنرفع نشيد المجد والتسبيح للثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.

*   *   *

شاهد أيضاً

رسالة قداسة البابا  فرنسيس

في مناسبة اليوم العالمي السّابع والخمسين للسّلام الأوّل من كانون الثّاني/يناير 2024 الذّكاء الاصطناعيّ والسّلام …

الإرشاد الرّسوليّ  C’EST LA CONFIANCE الثّقة فقط

للحبر الأعظم البابا فرنسيسالثّقة بحبّ الله الرّحيم في مناسبة الذّكرى المائة والخمسين لولادة القدّيسة تريزا …